تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
أقبح صورة وأشنع منظر ، قد جمع اللّه لهم بين عمى البصر وعدم النطق وعدم السمع مع كونهم مسحوبين على وجوههم ، وقد أثبت اللّه تعالى لهم الرؤية والكلام والسمع في قوله :
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ
[ الكهف : 53 ] وقوله :
دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً
[ الفرقان : 13 ] وقوله :
سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً
[ الفرقان : 12 ] . فالمعنى هنا عميا لا يبصرون ما يسرهم بكما لا ينطقون بحجة صما لا يسمعون ما يلذ مسامعهم وقيل هذا حين يقال لهم اخسؤوا فيها ولا تكلمون وقيل يحشرون على ما وصفهم اللّه ثم تعاد إليهم هذه الأشياء بعد ذلك ثم من وراء ذلك
مَأْواهُمْ
أي المكان الذي يأوون إليه
جَهَنَّمُ
مستأنفة أو حال من الضمير ، قال ابن عباس : يعني أنهم وقودها .
كُلَّما خَبَتْ
أي سكن لهبها بأن أكلت جلودهم ولحومهم ، يقال خبت النار تخبو خبوا إذا خمدت وسكن لهبها زاد السمين فإذا ضعف جمرها خمدت فإذا طفئت بالجملة قيل همدت ، وكلاهما من باب قعد ، قال ابن قتيبة : معنى
زِدْناهُمْ سَعِيراً
تسعرا وهو التلهب والتوقد أي فتعود ملتهبة ومتسعرة فإنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الافناء جزاهم اللّه بأن لا يزالوا على الإعادة والإفناء . وقد قيل إن في خبو النار تخفيفا لعذاب أهلها ، فكيف يجمع بينه وبين قوله :
لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ
[ البقرة : 162 ] وأجيب بأن المراد بعدم التخفيف أنه لا يتخلل زمان محسوس بين الخبو والتسعر ، وقيل ضعفت وهدأت من غير أن يوجد نقصان في إيلامهم ، لأن اللّه تعالى قال :
لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ
[ الزخرف : 75 ] وقيل معناه أرادت أن تخبو ، وقيل معناه كلما نضجت جلودهم واحترقت أعيدوا إلى ما كانوا عليه وزيد في عسير النار لتحرقهم .
ذلِكَ
العذاب المذكور
جَزاؤُهُمْ
الذي أوجبه اللّه لهم واستحقوه عنده
بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا
أي بسبب كفرهم بها فلم يصدقوا بالآيات التنزيلية ولا تفكروا في الآيات التكوينية
وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً
الهمزة للإنكار وقد تقدم تفسير هذه الآية في هذه السورة
أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
أي مخلوقون
خَلْقاً جَدِيداً
مصدر من غير لفظة أو حال أي مخلوقين مستأنفين فجاء سبحانه بحجة تدفعهم عن الإنكار وتردهم عن الجحود فقال :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ
أي من هو قادر على خلقها في عظمها وشدتها فهو على إعادة ما هو أدون منه في الصغر والضعف أقدر ، وقيل المراد أنه قادر على افنائهم وإيجاد غيرهم من الإنس قال الكرخي : أراد بمثلهم إياهم فعبر عن خلقهم بلفظ المثل كقول المتكلمين الإعادة مثل الابتداء وذلك أن مثل الشيء مساو له في حاله فجاز أن يعبر عن الشيء نفسه .