تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ
أي اجتماع الظلمة قاله ابن عباس ، وقال الفراء والزجاج : يقال غسق الليل إذا أقبل بظلامه ، وقيل مغيب الشفق وهذا يتناول المغرب والعشاء والجاري متعلق بأقم لانتهاء غاية الإقامة أو أقمها ممدودة إليه قاله أبو البقاء وفيه نظر من حيث إنه قدر المتعلق كونا مقيدا إلا أن يريد تفسير المعنى لا الإعراب . والغسق دخول أول الليل قاله ابن شميل وقيل هو سواد الليل وظلمته وأصله من السيلان يقال غسقت العين أي سال دمعها فكأن الظلمة تنصب على العالم وتسيل عليهم ويقال غسق الجرح امتلأ دما فكأن الظلمة ملأت الوجود ، والمراد في قوله
مِنْ شَرِّ غاسِقٍ
[ الفلق : 3 ] القمر إذا كسف واسود . وقيل الليل والغساق بالتخفيف والتشديد ما يسيل من صديد أهل النار ويقال غسق الليل واغسق وظلم وأظلم ودجا وأدجى وغبش وأغبش نقله الفاء قاله السمين وقد استدل بهذه الغاية من قال إن صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى الغروب روي ذلك عن الأوزاعي وأبي حنيفة وجوزه مالك والشافعي في حال الضرورة . وقد وردت الأحاديث الصحيحة المتواترة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في تعيين أوقات الصلوات فيجب حمل مجمل هذه الآية على ما بينته السنة فلا نطيل بذكر ذلك ، ومعنى الآية أقم الصلاة من وقت دلوك الشمس إلى غسق الليل فيدخل فيها الظهر والعصر وصلاتا غسق الليل وهما العشاآن . ثم قال
وَقُرْآنَ الْفَجْرِ
عطف على الصلاة أي أقمه قاله الفراء ، وقال الأخفش وتبعه أبو البقاء وعليك قرآن الفجر وأصول البصريين تأبى هذا لأن أسماء الأفعال لا تعمل مضمرة ، وقيل الزم قرآن الفجر ، قال المفسرون : المراد به صلاة الصبح عبر عنها ببعض أركانها . قال الزجاج : وفي هذه فائدة عظيمة تدل عليه أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة حتى سميت الصلاة قرآنا وهو حجة على الأصم حيث زعم إن القراءة ليست بركن وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب « 1 » ، وفي بعض الأحاديث الخارجة من مخرج حسن وقرآن معها وورد ما يدل على وجوب الفاتحة في كل ركعة أو سميت صلاة الصبح قرآنا لطول قراءتها ، وقد حرره الشوكاني في مؤلفاته تحريرا مجودا . ثم علّل سبحانه ذلك بقوله
إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً
أي تشهده وتحضره ملائكة الليل وملائكة النهار ، كما ورد ذلك في الحديث الصحيح الآتي وبذلك قال
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في المواقيت باب 69 ، والدارمي في الصلاة باب 36 ، وأحمد في المسند 2 / 428 .