تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
الصلاة فقال
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
أجمع المفسرون على أن المراد بها الصلوات المفروضة ، وقد اختلف العلماء في الدلوك على قولين : أحدهما : إنه زوال الشمس عن كبد السماء قاله عمر وابنه وأبو هريرة وابن عباس وجابر والحسن والشعبي وعطاء ومجاهد وقتادة والضحاك وأبو جعفر الباقر وأكثر التابعين واختاره ابن جرير . والقول الثاني : إنه غروب الشمس قاله عليّ وابن مسعود وأبي بن كعب ، وروي عن ابن عباس ؛ وبه قال النخعي ومقاتل والسدي ، قال الفراء : دلوك الشمس من لدن زوالها إلى غروبها ، قال الأزهري : معنى الدلوك في كلام العرب الزوال ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار دالكة وقيل لها إذا أفلت دالكة لأنها في الحالتين زائلة قال : والقول عندي أنه زوالها نصف النهار لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس . وأصل هذه المادة أي ما تركب من الدال واللام والكاف يدل على التحول والانتقال ومنه الدلك فإن الدلاك لا تستقر يده ومنه دلوك الشمس ففي الزوال انتقال من وسط السماء إلى ما يليه وكذا كل ما تركب من الدال واللام بقطع النظر عن آخره يدل على ذلك كدلج بالجيم من الدلجة وهي سير الليل والانتقال فيه من مكان إلى مكان آخر ودلح بالحاء المهملة إذا مشى مشيا متثاقلا ودلع بالعين المهملة إذا أخرج لسانه ودلف بالفاء إذا مشى مشي المقيد أو بالقاف لاخراج الماء من مقره ودله إذا ذهب عقله ففيه انتقال معنوي . وقال أبو عبيد : دلوكها غروبها ودلكت براح أي غابت وبراح اسم من أسماء الشمس على وزن حذام وقطام وعن ابن عمر قال : دلوك الشمس زياغها بعد نصف النهار ، وعن ابن عباس قال : إذا فاء الفيء ، وعن عقبة بن عمرو مرفوعا قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر » الحديث أخرجه ابن جرير وعن أبي برزة الأسلمي قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصلي الظهر إذا زالت الشمس ثم تلا
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
. والحاصل أن اللفظ يجمعهما لأن أصل الدلوك الميل والشمس تميل إذا زالت وإذا غربت والحمل على الزوال أولى القولين لكثرة القائلين به ، وإذا حملناه عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها كما ذكروا وعلى الثاني يخرج الظهر والعصر وفي هذه اللام وجهان : أحدهما : أنها بمعنى بعد ومثله قولهم كتبته لثلاث خلون . والثاني : إنها على بابها أي لأجل دلوك ، قال الواحدي : لأنها إنما تجب بزوال الشمس وفيه ثلاث أقوال أشهرها أنه الزوال وهو نصف النهار ، والثاني : إنه من الزوال إلى الغروب ، والثالث : إنه الغروب .