تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
من تبديل الوعد بالوعيد وغير ذلك . وعن ابن عباس قال : إن أمية بن خلف وأبا جهل بن هشام ورجالا من قريش أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : تعال فتمسح آلهتنا وندخل معك في دينك ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يشتد عليه فراق قومه ويحب إسلامهم فرقّ لهم ، فأنزل اللّه هذه الآية ، وعن جابر بن عبد اللّه مثله . وعن سعيد بن جبير قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يستلم الحجر فقالوا : لا ندعك تستلمه حتى تستلم بآلهتنا ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « وما عليّ لو فعلت واللّه يعلم مني خلافه » فأنزل اللّه
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ
الآية وعن ابن شهاب نحوه . وعن جبير بن نفير أن قريشا أتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : إن كنت أرسلت إلينا فاطرد الذين اتبعوك من سقاط الناس ومواليهم لنكون نحن أصحابك فركن إليهم ، فأوحى اللّه إليه هذه الآية . وقال الجلال السيوطي وغيره أن ثقيفا سألوه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحرم واديهم والحوا عليه فنزلت هذه الآية :
وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا
أي لو اتبعت أهواءهم لوالوك ووافوك وصافوك مأخوذ من الخلة بفتح الخاء .
وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ
على الحق وعصمناك من موافقتهم
لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ
أي لقاربت أن تميل إليهم أدنى ميل والركون هو الميل اليسير ، ولهذا قال
شَيْئاً قَلِيلًا
لكن أدركته صلّى اللّه عليه وسلّم العصمة فمنعته من أن يقرب من أدنى مراتب الركون إليهم فضلا عن نفس الركون ، وهذا دليل على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم ما همّ بإجابتهم ، ذكر معناه القشيري وغيره والنظم صريح في أنه لم يركن أي باللازم ولا قارب أي بمنطوق التركيب . وذلك لأن لولا حرف امتناع لوجود فالترتيب يدل على امتناع القرب من الركون وإذا امتنع القرب منه امتنع هو بالضرورة ؛ وقيل المعنى وإن كادوا ليخبرون عنك بأنك ملت إلى قولهم فنسب فعلهم إليهم مجازا واتساعا كما تقول للرجل كدت تقتل نفسك أي كاد الناس يقتلونك بسبب ما فعلت ، ذكر معناه المهدوي ، ثم توعده سبحانه في ذلك أشد الوعيد فقال :
إِذاً
أي لو قاربت إن تركن إليهم
لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ
أي مثلي ما يعذب به غيرك ممن يفعل هذا الفعل في الدارين والمعنى عذابا ضعفا في الحياة وعذابا ضعفا في الممات أي مضاعفا ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه وأضيفت وذلك لأن خطأ العظيم عظيم كما قال سبحانه
يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ
[ الأحزاب : 30 ] وضعف الشيء مثلاه ؛ وقد يكون الضعف النصيب كقوله لكل ضعف أي نصيب . وقال الرازي : حاصل الكلام إنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك وعقدت