تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
وقرىء بالتاء في الفعلين عطفا على مفعول تأمرك أي أصلاتك تأمرك أن تفعل أنت في أموالنا ما تشاء ، وقرىء نفعل بالنون وما تشاء بالفوقية أي نفعل فيها ما تشاء أنت وندع ما نشاء نحن وما يجري به التراضي بيننا . وعن ابن زيد في الآية قال : نهاهم عن قطع هذه الدنانير والدراهم فقالوا إنما هي أموالنا نفعل فيها ما نشاء إن شئنا قطعناها وإن شئنا أحرقناها وإن شئنا طرحناها ، وعن محمد بن كعب وزيد بن أسلم وابن المسيب نحوه . ثم وصفوه بوصفين عظيمين فقالوا :
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
عند نفسك وفي اعتقادك ومعناه أن هذا الذي نهيتنا عنه وأمرتنا به يخالف ما نعتقده في نفسك من الحلم والرشد ، وقيل إنهم قالوا ذلك لا على طريق الاستهزاء بل هو عندهم كذلك ، وأنكروا عليه الأمر والنهي منه لهم بما يخالف الحلم والرشد في اعتقادهم والمعنى أنك فينا حليم رشيد فلا يحمد بك شق عصا قومك ومخالفتهم في دينهم . وقال ابن عباس : يقولون إنك لست بحليم ولا رشيد أي أرادوا السفيه الغاوي لأن العرب قد تصف الشيء بضده فيقولون للديغ سليم وللفلاة المهلكة مفازة ؛ وقيل هو على حقيقته وإنما قالوا ذلك على سبيل السخرية قال قتادة : استهزاء به .

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 88 إلى 89 ]

قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ( 88 ) وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ( 89 )
قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي
مستأنفة كالجمل التي قبلها ، والمعنى أخبروني إن كنت على بيان وحجة واضحة وبصيرة وهداية من عند ربي فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه
وَرَزَقَنِي مِنْهُ
أي من فضله وخزائن ملكه ومن عنده وبإعانته بلا كد مني ولا تعب في تحصيله
رِزْقاً حَسَناً
أي كثيرا واسعا حلالا طيبا وقد كان عليه السلام كثير المال والنعمة ، وقيل أراد بالرزق النبوة وقيل الحكمة وقيل العلم وقيل التوفيق وقيل المعرفة وقيل الهداية . وجواب الشرط محذوف يدل عليه سياق الكلام تقديره أأترك أمركم ونهيكم أو تقولون في شأني ما تقولون مما تريدون به السخرية والاستهزاء أو هل يسعني مع هذه النعمة أن أخون في وحيه ، وهذا الجواب شديد المطابقة بقولهم إنك لأنت الحليم الرشيد أي كيف يليق بالحليم الرشيد أن يخالف أمر ربه وله عليه نعم كثيرة .
وَما أُرِيدُ
بنهي لكم عن التطفيف والبخس
أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ