في الكيل والوزن ، وكانوا إذا جاءهم البائع بالطعام أخذوا بكيل زائد ، وكذلك إذا وصل إليهم الموزون أخذوا بوزن زائد ، وإذا باعوا باعوا بكيل ناقص ووزن ناقص فقال :
وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ
أي لا عند الأخذ ولا عند الدفع ، والنقص فيهما على وجهين كما قدمنا الإشارة إليه ، والمراد بالمكيال المكيل به وبالميزان الموزون به ، وهذا أبلغ في الأمر بوفائهما
إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ
أي بثروة وسعة في الرزق تغنيكم عن البخس فلا تغيروا نعمة اللّه عليكم بمعصيته والإضرار بعباده ، وهذه النعمة حقها أن تتفضلوا على الناس شكرا عليها لا أن تنقصوا حقوقهم ، وهو في الجملة علة النهي .
ثم ذكر بعد هذه العلة علة أخرى فقال
وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ
فهذه العلة فيها الإذكار لهم بعذاب الآخرة كما أن العلة الأولى فيها الإذكار لهم بنعيم الدنيا ، ووصف اليوم بالإحاطة والمراد العذاب لأن العذاب واقع في اليوم ، فهو مجاز في الإسناد كقولهم نهاره صائم ، ومعنى إحاطة عذاب اليوم بهم أنه لا يشذ منهم أحد عنه ولا يجدون منه ملجأ ولا مهربا ، واليوم هو يوم القيامة ، وقيل هو يوم الانتقام منهم في الدنيا بالصيحة . قال ابن عباس : الخير رخص السعر والعذاب غلاء السعر .
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 85 إلى 87 ]
وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 85 ) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ( 86 ) قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ( 87 )
ثم أكد النهي عن نقص الكيل والوزن بقوله :
وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ
الإيفاء هو التمام والقسط العدل وهو عدم الزيادة والنقص ، وإن كانت الزيادة على الإيفاء فضل وخير ولكنها فوق ما يفيده اسم العدل والنهي عن النقص وإن كان يستلزم الإيفاء ففي تعاضد الدلالتين مبالغة بليغة وتأكيد حسن وشدة اهتمام فلذا كرر ليقوي الزجر والمنع من ذلك الفعل ، والمعنى أتموهما ولا تطففوا فيهما ، وقيل القسط تقويم لسان الميزان وتعديل المكيال . ثم زاد ذلك تأكيدا ثالثا فقال :
وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ
قد مر تفسير هذا في الأعراف وفيه النهي عن البخس على العموم والأشياء أعم مما يكال ويوزن فيدخل البخس بتطفيف الكيل والوزن في هذا دخولا أوليا ، فظهر بهذا البيان فائدة هذا التكرير ، وقيل البخس الكسر خاصة .
ثم قال :
وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ
بتطفيف الكيل والوزن ومنع الناس حقوقهم ، وقد مر أيضا تفسيره في البقرة . والعثي في الأرض يشمل كل ما يقع فيها من الإضرار بالناس فيدخل فيه كل ما في السياق من نقص المكيال والميزان ، وعثى مصدر قياسي