تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ
فهو يعصمني من كيدكم وإن بلغتم في تطلب وجوه الإضرار بي كل مبلغ فمن توكل على اللّه كفاه . ثم لما بين لهم توكله على اللّه وثقته بحفظه وكلاءته وصفه بما يوجب التوكل عليه والتفويض إليه من اشتمال ربوبيته عليه وعليهم وأنه مالك للجميع فقال
ما مِنْ دَابَّةٍ
تدب على الأرض
إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها
أي أن ناصية كل دابة من دوابّ الأرض بيده ، وفي قبضته وتحت قهره ، وهو تمثيل لغاية التسخير ونهاية التذليل ، وكانوا إذا أسروا الأسير وأرادوا إطلاقه والمنّ عليه جزوا ناصيته فجعلوا ذلك علامة لقهره . قال الفراء : معنى آخذ بناصيتها مالكها والقادر عليها ، وقال القتيبي : قاهرها لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته ، والناصية قصاص الشعر من مقدّم الرأس . ثم علل ما تقدّم بقوله :
إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
أي هو على الحق والعدل فلا يكاد يسلطكم عليّ
فَإِنْ تَوَلَّوْا
أي تتولوا فحذفت إحدى التاءين ، والمعنى فإن تستمروا على الإعراض عن الإجابة والتصميم على ما أنتم عليه من الكفر
فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ
ليس عليّ إلا ذلك ، وقد لزمتكم الحجة .
وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ
جملة مستأنفة لتقرير الوعيد بالهلاك : أي يستخلف في دياركم وأموالكم قوما آخرين ، ويجوز أن يكون عطفا على فقد أبلغتكم . وروى حفص عن عاصم أنه قرأ « ويستخلف » بالجزم حملا على موضع فقد أبلغتكم .
وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً
أي بتوليكم ، ولا تقدرون على كثير من الضرر ولا حقير
إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ
أي رقيب مهيمن عليه يحفظه من كل شيء ، قيل : وعلى بمعنى اللام ، فيكون المعنى : لكل شيء حفيظ فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء .
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا
أي عذابنا الذي هو إهلاك عاد
نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
من قومه
بِرَحْمَةٍ مِنَّا
أي برحمة عظيمة كائنة منا لأنه لا ينجو أحد إلا برحمة اللّه ، وقيل هي الإيمان
مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ
أي شديد وقيل وهو السموم التي كانت تدخل أنوفهم .
وَتِلْكَ عادٌ
مبتدأ وخبر ، وأنث الإشارة اعتبارا بالقبيلة . قال الكسائي : إن من العرب من لا يصرف عاد ويجعله اسما للقبيلة
جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ
أي كفروا بها وكذبوها وأنكروا المعجزات .
وَعَصَوْا
أي رؤساؤهم وسفلتهم
رُسُلَهُ
أي هودا