تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
وهو كافر ، فهو المتصرف في خلقه كيف شاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . ثم صرح بالعلة الموجبة لخروجه من عموم الأهل المبينة له بأن المراد بالقرابة قرابة الدين لا قرابة النسب وحده فقال
إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ
قرأ الجمهور
عَمَلٌ
على لفظ المصدر وقرىء على لفظ الفعل ، ومعنى الأولى المبالغة في ذمه كأنه جعل نفس العمل وأصله ذو عمل غير صالح ، كذا قال أبو إسحاق الزجاجي وأبو علي الفارسي وابن الأنباري والواحدي ، وعبارة الصاوي إن الضمير عائد إلى الولد ، ويقال في الأخبار عنه بعمل ما قيل في زيد عدل وهو الراجح اه . ومعنى الثانية ظاهر ، أي أنه عمل عملا غير صالح ، وهو كفره وعدم متابعته لأبيه . قاله أبو علي . قال الصاوي : أشار السيوطي إلى أن الضمير في ( إنه ) عائد إلى نوح على حذف مضاف ، والمعنى قال اللّه له : يا نوح إن سؤالك عمل غير مقبول . انتهى . ويؤيده ما قال ابن عباس : يقول مسألتك إياي يا نوح عمل غير صالح لا أرضاه لك . ثم نهاه عن مثل هذا السؤال فقال
فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
أي ما لا تعلم أصواب هو فتسأل عنه أم ليس كذلك فتتركه ، وهو وإن كان نهيا عاما بحيث يشمل كل سؤال لا يعلم صاحبه أن حصول مطلوبه منه صواب فهو يدخل تحته سؤاله هذا دخولا أوليا . وفيه عدم جواز الدعاء بما لا يعلم الإنسان مطابقته للشرع وسمى دعاءه سؤالا لتضمنه معنى السؤال باعتبار استنجازه في شأن ولده .
إِنِّي أَعِظُكَ
من
أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
أي أحذرك وأنهاك أن تكون جاهلا فتسأل مثل ما يسألون كقوله
يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً
[ النور : 17 ] ، وسمي سؤاله جهلا لأن حب الولد شغله عن تذكر استثناء من سبق عليه القول منهم بالإهلاك قاله الكرخي .

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 47 إلى 48 ]

قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 47 ) قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ( 48 ) وقيل المعنى أرفعك أن تكون منهم ، قال ابن العربي : وهذه زيادة من اللّه وموعظة يرفع بها نوحا عن مقام الجاهلين ، ويعليه بها إلى مقام العلماء العاملين . ثم لما علم نوح بأن سؤاله لم يطابق الواقع وإن دعاءه ناشىء عن وهم كان يتوهم بادر إلى الاعتراف بالخطأ وطلب المغفرة والرحمة و
قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ
أي ألجأ إليك وأعتذر من
أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ
أي أطلب منك بعد ذلك ما لا علم