تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
ذلك فوق ما يصفه الواصفون ، فحري بنا أن نوجز الكلام في هذا الباب ونفوّض الأمر إلى تأمل أولي الألباب واللّه عنده علم الكتاب .
وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ
أي دعاه ، والظاهر أن هذا النداء كان قبل سيرها لأنه سؤال في تجاه ابنه ولا معنى للسؤال إلا عند إمكان النجاة ، والمراد أنه أراد دعاءه بدليل الفاء في قوله
فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي
وعطف الشيء على نفسه غير سائغ فلا بدّ من التقدير المذكور قاله الزمخشري . وقيل عطف تفسير أو تفصيل إذ القول المذكور هو عين النداء فهو مرتبط في المعنى بقوله
وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ
والمعنى أنه من الأهل الذين وعدتني بتنجيتهم بقولك وأهلك . فإن قيل كيف طلب نوح عليه السلام انجاز ما وعده اللّه بقوله
وَأَهْلَكَ
وهو المستثنى منه وترك ما يفيده الاستثناء وهو إلا من سبق عليه القول فيجاب بأنه لم يعلم إذ ذاك أنه ممن سبق عليه القول فإنه كان يظنه من المؤمنين .
وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ
الصدق الذي لا خلف فيه وهذا منه
وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ
أي أتقن المتقنين لما يكون به الحكم فلا يتطرق إلى حكمك نقض ، وقيل أراد به أعلمهم وأعدلهم أي أنت أكثر علما وعدلا من ذوي الحكم ، وقيل إن الحاكم بمعنى ذي الحكمة كدراع .

[ سورة هود ( 11 ) : آية 46 ]

قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 46 ) ثم أجاب اللّه سبحانه عن نوح ببيان أن ابنه غير داخل في عموم الأهل وأنه خارج بقيد الاستثناء
قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ
يعني هذا الابن الذي سألتني نجاته
لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ
الذين آمنوا بك وتابعوك ومن أهل دينك ، وإن كان من أهلك باعتبار القرابة ، قال عكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وأكثر المفسرين : إنه ابن نوح من صلبه وهو الصحيح . وعن ابن عباس قال : ما بغت امرأة نبي قط ، وإن اللّه نص عليه بقوله
وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ
ونوح أيضا نص عليه بقوله
يا بُنَيَّ
ولا يجوز صرف الكلام عن الحق إلى المجاز من غير ضرورة . وقيل المعنى إنه ليس من الذين وعدتك أن أنجيهم معك ، وإنما خالف هذا الظاهر من خالفه لأنه استبعد أن يكون ولد نبي كافرا ، وهذا خطأ ممن قاله لأن اللّه يخرج الكافر من المؤمن ، والمؤمن من الكافر ، ولا فرق في ذلك بين الأنبياء وغيرهم ، فإن اللّه سبحانه قد أخرج قابيل من صلب آدم وهو نبي وكان كافرا . وأخرج إبراهيم . وهو نبي من صلب آزر وكان كافرا ، فكذلك أخرج كنعان من صلب نوح
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 323 | صديق الحسيني القنوجي البخاري