تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
السوء ، ووصفهم بالظلم للاشعار بأنه علة الهلاك وللايماء إلى قوله :
وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا
[ هود : 37 ] . قال عبد الرحمن بن خلدون : اتفقوا على أن الطوفان الذي كان في زمن نوح وبدعوته ذهب بعمران الأرض أجمع وبما كان من خراب المعمور وهلك الذين ركبوا معه في السفينة ولم يعقبوا فصار أهل الأرض كلهم من نسله وعاد أبا ثانيا للخليقة انتهى . وقال ابن الأثير في الكامل : وأما المجوس فلا يعرفون الطوفان وكان بعضهم يقرّ به ويزعم أنه كان في إقليم بابل وما قرب منه ، وإن مساكن ولد ختومرت كانت بالمشرق فلم يصل ذلك إليهم ، وكذلك جميع الأمم المشرقية من الهند والفرس والصين لا يعترفون بالطوفان ، وبعض الفرس يعترف به ويقول لم يكن عاما ولم يتعد عقبة حلوان . والصحيح أن جميع أهل الأرض من ولد نوح عليه السلام لقوله تعالى
وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ
[ الصافات : 77 ] فجميع الناس من ولد سام وحام ويافث أولاد نوح انتهى . وقال المقريزي في الخطط : إن جميع أهل الشرائع أتباع الأنبياء من المسلمين واليهود والنصارى قد أجمعوا على أن نوحا هو الأب الثاني للبشر ، وإن العقب من آدم عليه السلام انحصر فيه ومنه ذرأ اللّه جميع أولاد آدم ، فليس أحد من بني آدم إلا وهو من أولاد نوح ، وخالفت القبط والمجوس وأهل الهند والصين ذلك فأنكروا الطوفان . وزعم بعضهم أن الطوفان إنما حدث في إقليم بابل وما وراءه من البلاد الغربية فقط وأن أولاد كيومرت الذي هو عندهم الإنسان الأول كانوا بالبلاد الشرقية من بابل فلم يصل الطوفان إليهم ولا إلى الهند والصين . والحق ما عليه أهل الشرائع وأن نوحا عليه السلام لما أنجاه اللّه ومن معه بالسفينة نزل بهم وهم ثمانون رجلا سوى أولاده فماتوا بعد ذلك ولم يعقبوا ، وصار العقب من نوح في أولاده الثلاثة ، ويؤيد هذا قول اللّه تعالى عن نوح .
وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ
انتهى . وقد أطبق علماء البلاغة على أن هذه الآية الشريفة بالغة من الفصاحة والبلاغة إلى محل يتقاصر عن الوصف وتضعف عن الإتيان بما يقاربه قدرة القادرين على فنون البلاغة الثابتين الأقدام في علم البيان ، الراسخين في اللغة المطلعين على ما هو مدون من خطب مصاقع خطباء العرب وأشعار بواقع شعرائهم المرتاضين بدقائق علوم العربية وأسرارها . قال الصاوي وسليمان الجمل : قال بعضهم : هذه الآية أبلغ آية في القرآن باحتوائها على أحد وعشرين نوعا من أنواع البديع ، والحال أن كلماتها تسعة عشر انتهى . قلت : وقد تعرض لبيان ما اشتملت عليه من ذلك جماعة فأطلوا وأطابوا رحمنا