أخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أغرق اللّه فرعون فقال : آمنت .
الآية . قال جبريل : يا محمد لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة » « 1 » والمعنى دس جبريل في فيه بأمر اللّه فلا اعتراض عليه .
وقد روى هذا الحديث الترمذي من غير وجه وقال صحيح حسن غريب ، وصححه أيضا الحاكم عن ابن عباس من طرق أخرى وإسناده على شرط البخاري ، وليس في رواتهما متهم وإن كان فيهم من هو سيىء الحفظ فقد تابعه عليه غيره . وقد أطال الخازن في جواب ما اعترض به الرازي وأشكله في هذا الحديث بما يطول ذكره .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : قال لي جبريل :
ما كان على الأرض . يعني أبغض إليّ . من فرعون فلما آمن جعلت أحشو فاه حمأة وأنا أعطه خشية أن تدركه الرحمة .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر مرفوعا نحوه ، وأبو الشيخ عن أبي أمامة نحوه أيضا ، وفي إسناد حديث أبي هريرة رجل مجهول وباقي رجاله ثقات . والعجب كل العجب ممن لا علم له بفن الرواية من المفسرين ، ولا يكاد يميز بين أصح الصحيح من الحديث وأكذب الكذب منه ، كيف يتجارى على الكلام في أحاديث الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، والحكم ببطلان ما صح منها ؛ ويرسل لسانه وقلمه بالجهل البحت ، والقصور الفاضح الذي يضحك منه كل من له أدنى ممارسة بفن الحديث . فيا مسكين ما لك ولهذا الشأن الذي لست فيه في شيء ، ألا تستر نفسك وتربع على ضلعك وتعرف بأنك بهذا العلم من أجهل الجاهلين ، وتشتغل بما هو علمك الذي لا تجاوزه وحاصلك الذي ليس لك غيره ، وهو علم اللغة وتوابعه من العلوم الآلية .
ولقد صار صاحب الكشاف عفا اللّه عنه بسبب ما يتعرض له في تفسيره من علم الحديث الذي ليس هو منه في ورد ولا صدر سخرة للساخرين ، وعبرة للمعتبرين ، فتارة يروي في كتابه الموضوعات وهو لا يدري أنه منها ، وتارة يتعرض لرد ما صح ويجزم بأنه من الكذب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والبهت عليه ، وقد يكون في الصحيحين وغيرهما مما يلتحق بهما من رواية جماعة من الصحابة بأسانيد كلها أئمة ثقات حجج اثبات .
وأدنى نصيب من عقل يحجر صاحبه عن التكلم في علم لا يعلمه ولا يدري به أقل دراية ، وإن كان ذلك العلم من علوم الاصطلاح التي يتواضع عليها طائفة من الناس ويصطلحون على أمور فيما بينهم ، فما بالك بعلم السنة الذي هو قسم كتاب
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 245 .