وقيل المراد ليكون طرحك على الساحل وحدك دون المغرقين من قومك آية من آيات اللّه يعتبر بها الناس أو يعتبر بها من سيأتي من الأمم إذا سمعوا ذلك حتى يحذروا من التكبر والتجبّر والتمرد على اللّه سبحانه فإن هذا الذي بلغ إلى ما بلغ إليه من دعوى الإلهية واستمر على ذلك دهرا طويلا كانت له هذه العاقبة القبيحة .
وقرىء لمن خلفك على صيغة الماضي ، أي لمن يأتي بعدك من القرون أو من خلفك في الرياسة أو في السكون في المسكن الذي كنت تسكنه ، وهذا آخر مقول جبريل عليه السلام .
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا
التي توجب الاعتبار والتفكر وتوقظ من سنة الغفلة
لَغافِلُونَ
عما توجبه تلك الآيات ، وهذه الجملة تذييلية جيء بها عقب الحكاية تقرير الكلام المحكي .
وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ
هذا من جملة ما عدده اللّه سبحانه من النعم التي أنعمها عليهم ، ومعنى بوأنا أسكنا يقال بوأت زيدا منزلا أسكنته فيه ، والمبوأ اسم مكان أو مصدر ، وإضافته إلى الصدق على ما جرت عليه قاعدة العرب فإنهم كانوا إذا مدحوا شيئا أضافوه إلى الصدق ، والمراد به هنا المنزل المحمود الصالح المختار المرضي ، قيل هو ارض مصر ، قاله الضحاك ، وقيل جميع ما كان تحت أيدي فرعون وقومه من ناطق وصامت وزرع وغيره ، وقيل الأردن وفلسطين ، وقيل الشام قاله قتادة ، وقيل بيت المقدس لأنها بلاد الخصب والخير والبركة .
وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
أي المستلذات من الرزق
فَمَا اخْتَلَفُوا
في أمر دينهم وتشعبوا فيه شعبا بعدما كانوا على طريقة واحدة غير مختلفة
حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ
أي لم يقع منهم هذا الاختلاف في الدين إلا بعد ما جاءهم العلم بقراءتهم التوراة وعلمهم بأحكامها وما اشتملت عليه من الاخبار بنبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم .
وقيل العلم هو القرآن المنزل على نبينا صلى اللّه عليه وآله وسلم فاختلفوا فيه وفي صفته وآمن به من آمن منهم ، وكفر به من كفر ، قال ابن زيد : يعني كتاب اللّه الذي أنزله وأمره الذي أمرهم به ، وإنما سمي القرآن علما لأنه سبب العلم ، فيكون المراد بالمختلفين على القول الأول هم اليهود بعد أن أنزلت عليهم التوراة وعلموا بها ، وعلى القول الثاني هم اليهود المعاصرون لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقد روي في الحديث أن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة وأن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة « 1 » وهو في السنن والمسانيد ، والكلام فيه يطول .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 332 .