تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
فموه صاحب هذا التأويل بالاستدلال بقوله تعالى المتقدم ، وقيل اللام للدعاء عليهم ، والمعنى ابتلهم بالهلاك عن سبيلك ، قاله ابن الأنباري واستدل بقوله سبحانه بعد هذا
اطْمِسْ
وَاشْدُدْ
وإليه ذهب الحسن البصري ، وقيل إنها لام العلة والمعنى أنك آتيتهم ما آتيتهم على سبيل الاستدراج فكان الايتاء لهذه العلة . وقد أطال صاحب الكشاف في تقرير هذا بما لا طائل تحته ، والقول الأول هو الأولى ، وقرىء ليضلوا بضم الياء أي يوقعوا الاضلال على غيرهم ، وقرأ الباقون بالفتح أي يضلون في أنفسهم .
رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ
أي امسخها وأزل صورها ، قال الزجاج : طمس الشيء إذهابه عن صورته وإزالة أثر الشيء بالمحو . قال مجاهد : أهلكها ، وقال أكثر المفسرين أمسخها وغيرها عن هيئاتها ، والمعنى الدعاء عليهم بأن يمحق اللّه أموالهم ويهلكها . وقرىء بضم الميم من
اطْمِسْ
وقد روي عن قتادة أن أموالهم وحروثهم وزروعهم وجواهرهم ودراهمهم ودنانيرهم تحولت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأنصافا وأثلاثا . قيل إن عمر بن عبد العزيز دعا بخريطة فيها شيء من بقايا آل فرعون فأخرج منها البيضة منقوشة والجوزة مشقوقة وهي حجارة . قال السدي : مسخ اللّه أموالهم حجارة والنخل والثمار والدقيق والأطعمة ، وقال القرظي : صارت صورهم حجارة ، وفيه ضعف لأن موسى دعا على أموالهم ولم يدع على أنفسهم بالمسخ ، وهذا الطمس هو أحد الآيات التسع التي أوتيها موسى عليه السلام .
وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ
أي اربط عليها واجعلها قاسية مطبوعة حتى لا تقبل الحق ولا تنشرح للإيمان ولا تلين ، قال الواحدي : وهذا دليل على أن اللّه تعالى يفعل ذلك لمن يشاء ، ولولا ذلك لما جسر موسى على هذا السؤال .
فَلا يُؤْمِنُوا
أي آتيتهم النعم ليضلوا ولا يؤمنوا ، قاله المبرد والزجاج ، وقال الفراء والكسائي وأبو عبيدة : هو دعاء بلفظ النهي والتقدير ، اللهم فلا يؤمنوا . وقال الأخفش : إنه جواب الأمر أي اطمس واشدد فلا يؤمنوا
حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
أي فلا يحصل منهم الإيمان إلا مع المعاينة لما يعذبهم اللّه به وعند ذلك لا ينفع إيمانهم ، قال ابن عباس العذاب هو الغرق . وقد استشكل بعض أهل العلم ما في هذه الآية من الدعاء على هؤلاء وقال : إن الرسل إنما تطلب هداية قومهم وإيمانهم ، وأجيب بأنه لا يجوز لنبي أن يدعو على قومه إلا بإذن اللّه سبحانه ، وإنما يأذن اللّه بذلك لعلمه بأنه ليس فيهم من يؤمن ، ولهذا لما أعلم اللّه نوحا عليه السلام بأنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن قال :
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
[ نوح : 26 ] .