فأمروا أن يصلوا في بيوتهم ، وعن ابن عباس نحوه ، وقيل المراد بالبيوت هنا المساجد ، وإليه ذهب جماعة من السلف ، وقيل التي يسكنون فيها أمروا بأن يجعلوها مقابلة بعضها بعضا .
والمراد بالقبلة على القول الأول هي جهة بيت المقدس وهو قبلة اليهود إلى اليوم ، وقيل جهة الكعبة وأنها كانت قبلة موسى ومن معه ، قال أبو سنان : إن آدم فمن بعده كانوا يصلون قبل الكعبة ، وظاهر القرآن لا يدل على تعيينها ، وقيل إنهم يجعلون بيوتهم مستقبلة للقبلة ليصلوا فيها سرا لئلا يصيبهم من الكفار معرة بسبب الصلاة .
ومما يؤيد هذا قوله :
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
أي التي أمركم اللّه بإقامتها فإنه يفيد أن القبلة هي قبلة الصلاة إما في المساجد أو في البيوت لا جعل البيوت متقابلة وقيل أمر اللّه موسى وهارون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء وتكفل بأن يصونهم عن شر الأعداء ، ذكره الخطيب ، وإنما جعل الخطاب في أول الكلام مع موسى وهارون ثم جعله لهما ولقومهما في قوله :
وَاجْعَلُوا
،
وَأَقِيمُوا
ثم أفرد موسى بالخطاب بعد ذلك فقال :
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
أي بالنصر والجنة لأن اختيار المكان مفوض إلى الأنبياء ، ثم جعل عاما في استقبال القبلة وإقامة الصلاة لأن ذلك واجب على الجميع لا يختص بالأنبياء ثم جعل خاصا بموسى لأنه الأصل في الرسالة وهارون تابع له فكان ذلك تعظيما للبشارة وللمبشر بها .
وقيل إن الخطاب في
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
لنبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم على طريقة الالتفات والاعتراض والأول أولى .
وَ
لما بالغ موسى عليه السلام في إظهار المعجزات وإقامة الحجج البينات ولم يكن لذلك تأثير فيمن أرسل إليهم ، دعاء عليهم بعد أن بين سبب إصرارهم على الكفر وتمسكهم بالجحود والعناد
قالَ مُوسى
مبينا للسبب أولا
رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
قد تقدم أن الملأ هم الأشراف ، والزينة اسم لكل ما يتزين به من ملبوس ومركوب وحلية وفراش وسلاح وغير ذلك ، والمال ما زاد على هذه الأشياء من الصامت ونحوه .
ثم كرر النداء للتأكيد فقال :
رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ
قال الخليل وسيبويه :
إنها لام العاقبة والصيرورة ، والمعنى أنه لما كان عاقبة أمرهم الضلال صار كأنه سبحانه أعطاهم ما أعطاهم من النعم ليضلوا ، وقيل إنها لام كي ؛ قاله الفراء : أي أعطيتهم لكي يضلوا ، وقال قوم إن المعنى أعطيتهم ذلك لئلا يضلوا فحذفت لا ، كما قال سبحانه :
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا
[ النساء : 176 ] .
قال النحاس : ظاهر هذا الجواب حسن إلا أن العرب لا تحذف لا إلا مع أن