تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
رتبته دون رتبته ، ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته لنفسه ، فضلا عن أن يملكه لغيره . فيا عجبا لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى ، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا اللّه عز وجل ، كيف لا يتيقظون لما وقعوا به من الشرك ولا ينتبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى لا إله إلا اللّه ، مدلول قل هو اللّه أحد . وأعجب من هذا اطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى بل إلى ما هو أشد منها . فإن أولئك يعترفون بأن اللّه سبحانه هو الخالق الرازق المحيي المميت الضار النافع ، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند اللّه ومقربين إليه ، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر والنفع وينادونهم تارة على الاستقلال وتارة مع ذي الجلال وكفاك من شر سماعه ، واللّه ناصر دينه ومظهر شريعته من أوضار الشرك وأدناس الكفر . ولقد توسل الشيطان أخزاه اللّه بهذه الذريعة إلى ما تقر به عينه وينثلج به صدره من كفر كثير من هذه الأمة المباركة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، إنا للّه وإنا إليه راجعون . ثم بين سبحانه أن لكل طائفة حدا محدودا لا يتجاوزونه فلا وجه لاستعجال العذاب فقال :
لِكُلِّ أُمَّةٍ
ممن قضى بينهم وبين رسولهم أو بين بعضهم لبعض
أَجَلٌ
أي وقت خاص ومدة مضروبة يحل بهم ما يريده اللّه سبحانه لهم عند حلوله والأجل يطلق على مدة العمر ، وعلى آخر جزء منه ، والمراد هنا الثاني كما يؤخذ من التفاسير .
إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ
أي أجل كل أمة ، قال أبو السعود : إن جعل الأجل عبارة عن حد معين من الزمان فمعنى مجيئه ظاهر ، وإن أريد به ما امتد من الزمان فمجيئه عبارة عن انقضائه إذ هناك يتحقق مجيئه بتمامه
فَلا يَسْتَأْخِرُونَ
[ يونس : 49 ] عن ذلك الأجل المعين
ساعَةً
أي شيئا قليلا من الزمان
وَلا يَسْتَقْدِمُونَ
منه ، ومثله قوله تعالى :
ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ *
والسين زائدة فيهما ، والكلام على هذه الآية المذكورة هنا قد تقدم في تفسير الآية التي في أول الأعراف فلا نعيده .

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 50 إلى 51 ]

قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ( 50 ) أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ( 51 )
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ
هذا منه سبحانه تزييف لرأي الكفار في أستعجال العذاب بعد التزييف الأول ، أي أخبروني عن عذاب اللّه إن أتاكم أي شيء تستعجلون منه وليس شيء من العذاب يستعجله العاقل ، إذ العذاب كله مر المذاق ، موجب لنفار الطبع منه .