ويجوز أن يراد بالضمير في
بَيْنَهُمْ
الأمة على تقدير أنه كذبه بعضهم وصدقه البعض الآخر فيهلك المكذبون وينجو المصدقون ، وفي وقت هذا القضاء قولان أحدهما أنه في الدنيا ، والآخر أنه في الآخرة ، والأول أولى .
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
في ذلك القضاء فلا يعذبون بغير ذنب ولا يؤاخذون بغير حجة ، ومنه قوله تعالى :
وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
[ الزمر : 69 ] وقوله :
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ
[ النساء : 41 ] والمراد المبالغة في إظهار العدل والنصفة بين العباد .
ثم ذكر سبحانه شبهة أخرى من شبه الكفار
وَ
ذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان كلما هددهم بنزول العذاب كانوا
يَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ
[ يونس : 48 ] والاستفهام منهم للانكار والاستبعاد ، والقدح في النبوة لا طلبا لتعيين وقت مجيئة على وجه الالزام كما في سورة الملك فإن المطلوب هناك تعيين الوقت .
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
خطابا منهم للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وللمؤمنين ، ويحتمل أن يراد بالقائلين هذه المقالة جميع الأمم الذين لم يسلموا لرسلهم الذين أرسلهم اللّه إليهم .
ثم أمر اللّه سبحانه رسوله أن يجيب عليهم بما يحسم مادة الشبهة ويقطع اللجاج فقال :
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً
أي لا أقدر على جلب نفع لها ولا دفع ضر عنها ، فكيف أقدر على أن أملك ذلك لغيري ، وقدم الضر لأن السياق لإظهار العجز عن ظهور الوعد الذي استعجلوه واستبعدوه .
والاستثناء في قوله :
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
منقطع كما ذكره أئمة التفسير ، وبه قال الزمخشري أي ولكن ما شاء اللّه من ذلك كان فكيف أقدر على أن أملك لنفسي ضرا أو نفعا ، وقيل متصل تقديره إلا ما شاء اللّه أن أملكه وأقدر عليه ، والأول أولى .
وفي هذا أعظم واعظ وأبلغ زاجر لمن صار ديدنه وهجيراه المناداة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا اللّه سبحانه ، وذلك من صار يطلب من الرسول صلى اللّه عليه وسلم ما لا يقدر على تحصيله إلا اللّه سبحانه ، فإن هذا مقام رب العالمين الذي خلق الأنبياء والصالحين وجميع المخلوقين رزقهم وأحياهم ويميتهم فكيف يطلب من نبي من الأنبياء أو ملك من الملائكة أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه غير قادر عليه ، ويترك الطلب لرب الأرباب القادر على كل شيء الخالق الرازق المعطي المانع .
وحسبك في هذه الآية موعظة فإن هذا سيد ولد آدم وخاتم الرسل يأمره اللّه بأن يقول لعباده لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا فكيف يملكه لغيره ، وكيف يملكه غيره ممن