تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
الاستهزاء ، أي قل لهم يا محمد غير ملتفت إلى ما هو مقصودهم من الاستهزاء
إِي
أي نعم
وَرَبِّي إِنَّهُ
أي أن ما أعدكم به من العذاب
لَحَقٌّ
ثابت كائن لا محالة . وفي هذا الجواب تأكيد من وجوه . الأول : القسم مع دخول الحرف الخاص بالقسم الواقع موقع نعم . الثاني : دخول إن المؤكدة . الثالث : اللام في لحق . الرابع : اسمية الجملة وذلك يدل على أنهم قد بلغوا في الإنكار والتمرد إلى الغاية التي ليس وراءها غاية . ثم توعدهم بأشد توعد ورهبهم بأعظم ترهيب فقال :
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ
أي فائتين العذاب بالهرب والتحيل الذي لا ينفع والمكابرة التي لا تدفع من قضاء اللّه شيئا بل هو مدرككم ولا بد ، وهذه الجملة إما معطوفة على جملة جواب القسم أو مستأنفة لبيان عدم خلوصهم عن عذاب اللّه بوجه من الوجوه . ثم زاد في التأكيد فقال :
وَلَوْ
امتناعية على ما هو الكثير فيها
أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ
من الأنفس المتصفة بأنها
ظَلَمَتْ
نفسها بالكفر باللّه وعدم الإيمان به
ما فِي الْأَرْضِ
من كل شيء من الأشياء التي تشتمل عليها من الأموال النفيسة والذخائر الفائقة
لَافْتَدَتْ بِهِ
أي جعلته فدية لها من العذاب يوم القيامة لا ينفعها الفداء ولا يقبل منها ، ومثله قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ
[ آل عمران : 91 ] . ويجوز أن يكون الافتداء متعديا وأن يكون قاصرا ، فإذا كان مطاوعا لمتعد كان قاصرا ، تقول فديته فافتدى وإن لم يكن مطاوعا يكون بمعنى فدى فيتعدى لواحد ، والفعل يحتمل الوجهين فإن جعلناه متعديا فمفعوله محذوف تقديره لافتدت به نفسها وهو من المجاز كقوله تعالى :
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها
[ النحل : 111 ] .
وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ
الضمير راجع إلى الكفار الذين سياق الكلام معهم ، وقيل راجع إلى الأنفس المدلول عليها بكل نفس وإن كان المراد خصوص الرؤساء منهم . ومعنى أسروا أخفوا ، أي لم يظهروا الندامة على ترك الإيمان بل أخفوها لما قد شاهدوه في ذلك الموطن مما سلب عقولهم وذهب بتجلدهم ، ويمكن أنه بقي فيهم وهم على تلك الحالة عرق ينزعهم إلى العصبية التي كانوا عليها في الدنيا فأسروا الندامة لئلا يشمت بهم المؤمنون . وقيل أسرها الرؤساء فيما بينهم دون اتباعهم خوفا من توبيخهم لهم لكونهم هم الذين اضلوهم وحالوا بينهم وبين الإسلام ، وقيل معنى أسروا أظهروا لأن أسر من الأضداد ومعنى الأول هو المشهور في اللغة وهو في الآية يحتمل الوجهين ؛ وقيل وجدوا ألم الحسرة في قلوبهم لأن الندامة لا يمكن إظهارها .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 249 | صديق الحسيني القنوجي البخاري