تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
كالكلام فيما تقدم لأن العمى مانع فكيف يطمع من صاحبه في النظر ، وقد انضم إلى فقد البصر فقد البصيرة ، لأن الأعمى الذي له في قلبه بصيرة قد يكون له من الحدس الصحيح ما يفهم به في بعض الأحوال فهما يقوم مقام النظر ، وكذلك الأصم العاقل قد يتحدس تحدسا يفيده بعض فائدة بخلاف من جمع له بين عمى البصر والبصيرة فقد تعذر عليه الإدراك ، وكذا من جمع له بين الصمم وذهاب العقل فقد انسد عليه باب الهدى . والمقصود من هذا الكلام تسلية رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فإن الطبيب إذا رأى مريضا لا يقبل العلاج أصلا أعرض عنه واستراح من الاشتغال به والهمزة للإنكار .

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 44 إلى 45 ]

إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 44 ) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 45 )
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
ذكر هذا عقب ما تقدم من عدم الاهتداء بالأسماع والأبصار لبيان أن ذلك لم يكن لأجل نقص فيما خلقه اللّه لهم من السمع والعقل والبصر والبصيرة بل لأجل ما صار في طبائعهم من التعصب والمكابرة للحق والمجادلة بالباطل ، والإصرار على الكفر فهم الذين ظلموا أنفسهم بذلك ، ولم يظلمهم اللّه شيئا من الأشياء ، بل خلقهم وجعل لهم من المشاعر ما يدركون به أكمل إدراك ، وركب فيهم من الحواس ما يصلون به إلى ما يريدون ، ووفر مصالحهم الدنيوية عليهم وخلى بينهم وبين مصالحهم الدينية فعلى نفسها براقش تجني . قيل والنكتة في وضع الظاهر موضع المضمر زيادة اليقين والتقرير ، وتقديم المفعول على الفعل لإفادة القصر أو لمجرد الاهتمام مع مراعاة الفاصلة .
وَ
اذكر
يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ
أي المشركين المنكرين للبعث لموقف الحساب ، وأصل الحشر إخراج الجماعة وإزعاجهم من مكانهم أي إحياؤهم من القبور
كَأَنْ
أي كأنهم
لَمْ يَلْبَثُوا
أي مشبهين بمن لم يلبث
إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ
أي شيئا قليلا . والمراد باللبث هو اللبث في الدنيا وقيل في القبور ، استقلوا المدة الطويلة إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا فجعلوا وجودها كالعدم أو استقصروها للدهش والحيرة أو لطول وقوفهم في المحشر أو لشدة ما هم فيه من العذاب ، نسوا لذات الدنيا وكأنها لم تكن ومثل هذا قولهم :
لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
[ الكهف : 19 ] أو لأن مقامهم في الدنيا في جنب مقامهم في الآخرة قليل جدا . والمقصود من هذا التشبيه كما قاله أبو السعود بيان كمال سهولة الحشر بالنسبة إليه تعالى ولو بعد دهر طويل ، وإظهار بطلان استعبادهم وإنكارهم له بقولهم :
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
[ المؤمنون : 82 ] ونحو ذلك أو بيان تمام
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 242 | صديق الحسيني القنوجي البخاري