تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
السماوات والأرض من تلك المخلوقات فقال
إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
أي في تعاقبهما وكون كل منها خلفة للآخر بحسب طلوع الشمس وغروبها أو في تفاوتهما في أنفسهما بازدياد كل منهما وانتقاص الآخر باختلاف حال الشمس بالنسبة إلينا قربا وبعدا بحسب الأزمنة أو في اختلافهما وتفاوتهما بحسب الأمكنة أما في الطول والقصر فإن البلاد القريبة من القطب الشمالي أيامها الصيفية أطول ولياليها الصيفية أقصر من أيام البلاد البعيدة منه ولياليها ، وأما في أنفسها فإن كروية الأرض تقتضي أن يكون بعض الأوقات في بعض الأماكن ليلا وفي مقابله نهارا .
وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ
من ملائكة وشمس وقمر ونجوم وغير ذلك
وَالْأَرْضِ
من حيوان وجبال وبحار وأنهار وأشجار وغيرها
لَآياتٍ
دلالات على قدرته تعالى
لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ
اللّه سبحانه ويجتنبون معاصيه ، خصهم بهذه الآيات لأنهم الذين يمعنون النظر والتفكر في مخلوقات اللّه سبحانه حذرا منهم عن الوقوع في شيء مما يخالف مراد اللّه سبحانه ، ونظرا لعاقبة أمرهم وما يصلحهم في معادهم . قال القفال : من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لبقاء الناس فيها وإن خالقها وخالقهم ما أهملهم بل جعلها لهم دار عمل ، وإذا كان كذلك فلا بدّ من أمر ونهي . عن خليفة العبدي قال : لو أن اللّه تبارك وتعالى لم يعبد إلا عن رؤية ما عبده أحد ، ولكن المؤمنين تفكروا في مجيء هذا الليل إذا جاء فملأ كل شيء وغطى كل شيء وفي مجيء سلطان النهار إذا جاء فمحا سلطان الليل ، وفي السحاب المسخر بين السماء والأرض ، وفي النجوم وفي الشتاء والصيف ، فو اللّه ما زال المؤمنون يتفكرون فيما خلق ربهم حتى أيقنت قلوبهم بربهم ، وقد تقدم تفسير هذه الآية في نظائرها .
إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا
شرع اللّه سبحانه في شرح أحوال من لا يؤمن بالمعاد ومن يؤمن به ، وقدم الطائفة التي لم تؤمن لأن الكلام في هذه السورة مع الكفار الذين يعجبون مما لا عجب فيه ، ويهملون النظر والتفكر فيما لا ينبغي إهماله مما هو مساعد لكل حي طول حياته فيتسبب عن إهمال النظر والتفكر الصادق عدم الإيمان بالمعاد . ومعنى الرجاء هنا الخوف وقيل الطمع ، فالمعنى على الأول لا يخافون عقابا وعلى الثاني لا يطمعون في ثواب إذا لم يكن المراد باللقاء حقيقته ، فإن كان المراد به حقيقته كان المعنى لا يخافون رؤيتنا أو لا يطمعون في رؤيتنا ، وقيل المراد بالرجاء هنا التوقع فيدخل تحته الخوف والطمع فيكون المعنى لا يتوقعون لقاءنا فهم لا يخافونه ولا يطمعون فيه .
وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا
عوضا عن الآخرة فعملوا لها
وَاطْمَأَنُّوا بِها
أي وقد سكنت نفوسهم إليها وفرحوا بها
وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ
العطف إنما هو