تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
بِالْقِسْطِ
أي بالعدل الذي لا جور فيه أي يجزيهم متلبسا بالقسط أو متلبسين به أو بسبب قسطهم ، والمراد به هنا الإيمان بدليل المقابلة في قوله
بِما كانُوا يَكْفُرُونَ
.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا
يحتمل وجهين أحدهما أن يكون مرفوعا بالابتداء وجملة
لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ
خبره والثاني أن يكون منصوبا عطفا على الموصول قبله وتكون الجملة بعده مبينة لجزائهم ، وقيل الجملة في محل نصب على الحال أي حال كونهم لهم هذا الشراب وهذا العذاب المؤلم . ولكن يشكل على ذلك أن هذا الشراب وهذا العذاب الأليم هما من الجزاء والحميم الماء الحار الذي قد انتهى حره ، وكل مسخن عند العرب فهو حميم ، وتغيير الأسلوب للمبالغة في استحقاقهم للعقاب والتنبيه على أن المقصود بالذات من الإبداء والإعادة هو الإثابة والعذاب وقع بالعرض وأنه تعالى يتولى إثابة المؤمنين بما يليق بلطفه وكرمه ، ولذلك لم يعينه ، وأما عقاب الكفرة فكأنه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم وسوء أفعالهم
بِما كانُوا يَكْفُرُونَ
أي بسبب كفرهم .
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً
ذكر ههنا بعض نعمه على المكلفين وهو مما يستدل به على وجوده ووحدته وقدرته وعلمه وحكمته بإتقان صنعه في هذين النيرين المتعاقبين على الدوام بعد ما ذكر قبل هذا إبداعه للسموات والأرض واستواءه على العرش وغير ذلك . والضياء قيل جمع ضوء كالسياط والسوط والحياض والحوض والأولى أن يكون ضياء مصدرا لا جمعا ولا بدّ من تقدير مضاف أي جعل الشمس ذات ضياء والقمر ذا نور إلا أن يحمل على المبالغة كأنهما جعلا نفس الضياء والنور قيل الضياء أقوى من النور ، وقيل هو ما كان بالذات والنور ما كان بالعرض ، فما قام بالشمس يقال له ضياء وما قام بالقمر يقال له نور . ومن هنا قال الحكماء إن نور القمر مستفاد من ضوء الشمس ، والشعاع الفائض من الشمس قيل جوهر ، وقيل عرض ، قال الصاوي : والحق أنه عرض لقيامه بالأجرام ، وضياء مفعول ثان أن جعل الجعل بمعنى التصيير ، وحال أن جعل بمعنى الخلق ، قال السدي : لم يجعل الشمس كهيئة القمر لكي يعرف الليل من النهار وهو قوله
فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ
[ الإسراء : 12 ] الآية ، قال ابن عباس : وجوههما إلى السماوات وأقفيتهما إلى الأرض ، وعن ابن عمرو مثله .
وَقَدَّرَهُ
أي قدر مسير القمر في
مَنازِلَ
أو قدره ذا منازل وبه يعرف انقضاء الشهور والسنين وذلك أن الشهور المعتبرة في الشرع مبنية على رؤية الأهلة والسنة المعتبرة في الشرع هي القمرية لا الشمسية ، ومنازله هي المسافة التي يقطعها في يوم