الزجاج : إن الكفار الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا يقولون إن الأصنام شفعاؤنا عند اللّه ، فردّ اللّه عليهم بأنه ليس لأحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه لأنه أعلم بموضع الحكمة والصواب ، وله التصرف المطلق في العالم ، وقد تقدم معنى الشفاعة في البقرة ، وفي هذا بيان لاستبداده بالأمور في كل شيء سبحانه وتعالى .
ذلِكُمُ
أي فاعل هذه الأشياء العظيمة من الخلق والتدبير
اللَّهُ رَبُّكُمْ
أي سيدكم لا رب لكم سواه ، وفي هذه الجملة زيادة تأكيد لقوله
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
فَاعْبُدُوهُ
أمرهم بعبادته بعد أن بين لهم أنه الحقيق بها دون غيره لبديع صنعه وعظيم اقتداره فكيف تعبدون الجمادات التي لا تسمع ولا تبصر ، ولا تنفع ولا تضر .
والاستفهام في قوله
أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
للإنكار والتوبيخ والتقريع لأن من له أدنى تذكر وأقل اعتبار يعلم بهذا ولا يخفى عليه .
[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 4 إلى 5 ]
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ( 4 ) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 5 )
ثم بين لهم ما يكون آخر أمرهم بعد الحياة الدنيا فقال
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً
وفي هذا من التهديد والتخويف ما لا يخفى ، والمراد بالمرجع الرجوع إليه سبحانه إما بالموت أو بالبعث أو بكل واحد منهما ، وانتصاب
وَعْدَ اللَّهِ
على المصدر أو هو منصوب بفعل مقدر .
ثم أكد ذلك الوعد بقوله
حَقًّا
فهو تأكيد للتأكيد ، فيكون في الكلام من الوكادة ما هو الغاية في ذلك وقرىء وعد اللّه حق على الاستئناف .
ثم علل سبحانه ما تقدم بقوله
إِنَّهُ
بالكسر استئنافا
يَبْدَؤُا الْخَلْقَ
أي أن هذا شأنه يبتدئ خلقه من التراب
ثُمَّ يُعِيدُهُ
إليه والخلق بمعنى المخلوق والمضارع بمعنى الماضي ، وعبر به استحضارا للصورة الغريبة أو معنى الإعادة الجزاء يوم القيامة ، قال مجاهد ينشئه ثم يميته ثم يحييه للبعث ، وقيل ينشئه من الماء ثم يعيده من حال إلى حال .
وقرىء أنه بالفتح وهي شاذة أي وعدكم اللّه أنه يبدأ الخلق ثم يعيده أو التقدير لأنه يبدأ الخلق ، قال أحمد بن يحيى : التقدير حقا إبداؤه الخلق ، وفي الآية دليل على إمكان الحشر والنشر والمعاد وصحة وقوعه ، ورد على منكري البعث .
ثم ذكر غاية ما يترتب على الإعادة فقال
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ