وقد كان لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل أن يصطفيه اللّه بالرسالة من خصال الكمال عند قريش ما هو أشهر من الشمس وأظهر من النهار حتى كانوا يسمونه الأمين
أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ
أي خوفهم . قيل : أن هي المفسرة لأن في الإيحاء معنى القول ، وقيل مصدرية والإنذار إخبار مع تخويف كما أن البشارة إخبار مع سرور .
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ
من إضافة الموصوف إلى الصفة كمسجد الجامع وصلاة الأولى وحب الحصيد ، وفائدة هذه الإضافة التنبيه على زيادة الفضل ومدح القدم لأن كل شيء أضيف إلى الصدق فهو ممدوح ومثله مقعد صدق ومدخل صدق .
واختلفت عبارات المفسرين وأهل اللغة في معنى قدم صدق ، فقيل منزل صدق ، وقال الزجاج : درجة عالية ، وقال ابن الأعرابي : القدم المتقدم في الشرف وقال أبو عبيدة والكسائي : كل سابق من خير أو شر فهو عند العرب قدم ، يقال لفلان قدم في الإسلام وله عندي قدم صدق وقدم خير وقدم شر .
وقال ثعلب : القدم كل ما قدمت من خير . وقال ابن الأنباري : القدم كناية عن العمل الذي لا يقع فيه تأخير ولا إبطاء ، وقال قتادة : سلف صدق ، وقال الربيع والضحاك : ثواب صدق ، وقال الحسن : هو محمد صلى اللّه عليه وسلم يشفع لهم ، ونحوه عن زيد بن أسلم وهو قول قتادة .
وقال الحكيم الترمذي : قدمه صلى اللّه عليه وسلم في المقام المحمود ، وقال مجاهد : الأعمال الصالحة صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم ، وقيل عمل صالح أسلفوه يقدمون عليه . قاله الحسن .
وقال الليث وأبو الهيثم : القدم السابقة أي سبق لهم عند اللّه خير ، وقال مقاتل :
أعمالا قدموها واختاره ابن جرير . قال ابن عباس : ما سبق لهم من السعادة في الذكر الأول يعني اللوح المحفوظ . وقال أيضا : أجرا حسنا بما قدموا من أعمالهم .
وعن ابن مسعود قال : القدم هو العمل الذي قدموه ، قال اللّه سبحانه
وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ
[ يس : 12 ] والآثار ممشاهم ، قال : مشى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بين أسطوانتين من مسجده ثم قال : هذا أثر مكتوب ، وقيل غير ما تقدم مما لا حاجة إلى التطويل بإيراده والروايات من التابعين وغيرهم في هذا كثيرة وقد قدمنا أكثرها ، والسبب في إطلاق لفظ القدم على هذه المعاني أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم ، فسمي المسبب باسم السبب كما سميت النعمة يدا لأنها تعطى باليد .
قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ
قرىء لساحر على أنهم أرادوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم باسم الإشارة وقرىء لسحر على أنهم أرادوا القرآن ، وقد