تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
تقدم معنى السحر في البقرة ، والجملة مستأنفة كأنه قيل ماذا صنعوا بعد التعجب ؛ وقال القفال : فيه إضمار والتقدير فلما أنذرهم قال الكافرون ذلك . ثم إن اللّه سبحانه جاء بكلام يبطل به العجب الذي حصل للكفار من الإيحاء إلى رجل منهم فقال
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
من أيام الدنيا أي في قدرها لأنه لم يكن ثمّ شمس ولا قمر ، ولو شاء لخلقهن في لمحة والعدول عنه لتعليم خلقه التأني والتمهل في الأمور ، وتخصيص الستة بالذكر مع أن التثبت يتأتى بأقل منها وبأزيد عليها قد استأثر اللّه بعلمه . والمعنى أن من كان له هذا الاقتدار العظيم الذي تضيق العقول عن تصوره كيف يكون إرساله لرسوله إلى الناس من جنسهم محلا للتعجب مع كون الكفار يعترفون بذلك فكيف لا يعترفون بصحة هذه الرسالة لهذا الرسول .
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
استواء يليق به وهذه طريقة السلف المفوضين وقد تقدم تفسير هذه الآية في الأعراف بما فيه كفاية فلا نعيده هنا ، قال الكرخي : إن الاستواء على العرش صفة له سبحانه بلا كيف . انتهى فهذه الصفة يجب الإيمان بها وإمرارها على ظاهرها من غير تأويل ولا تكييف ولا تعطيل ولا تمثيل
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشورى : 11 ] . وطريقة الخلف المؤولين محجوجة بنصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة وأئمتها ، وظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما استوى على العرش بعد خلق السماوات والأرض لأن كلمة ثم للتراخي وذلك يدل على أنه تعالى كان قبل العرش غنيا عنه ، فلما خلقه امتنع أن تنقلب حقيقته وذاته عن الاستغناء إلى الحاجة فوجب أن يبقى بعد خلق العرش غنيا عنه ، ولكن لما قال هو سبحانه وتعالى باستوائه عليه وجب الإيمان به على ما يليق لجلاله . ثم ذكر ما يدل على مزيد قدرته وعظيم شأنه مع ما مرّ من خلق هاتيك الأجرام العظام فقال
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
وترك العاطف لأن جملة يدبر كالتفسير والتفصيل لما قبلها ، وأصل التدبير النظر في أدبار الأمور وعواقبها لتقع على الوجه المقبول والشكل المحمود ، وقال مجاهد : يقضيه ويقدره وحده على الوجه الأتم الأكمل ، وقيل يبعث الأمر ، وقيل ينزل الأمر ، وقيل يأمر به ويمضيه ، والمعنى متقارب ؛ واشتقاقه من الدبر ، والأمر الشأن وهو أحوال ملكوت السماوات والأرض والعرش وسائر الخلق من الجزئيات الحادثة شيئا فشيئا على أطوار شتى لا تكاد تحصى .
ما مِنْ شَفِيعٍ
يشفع عنده يوم القيامة
إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ
له في الشفاعة لأنه عالم بمصالح عباده في تدبيرهم فلا يجوز لأحد أن يسأله ما ليس له به علم ، قال