تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
يعلمون » « 1 » لأن يمكن أن يكون ذلك قبل أن يبلغه تحريم الاستغفار لهم . وعلى فرض أنه قد كان بلغه كما يفيده سبب النزول فإنه قبل يوم أحد بمدة طويلة فصدور هذا الاستغفار منه لقومه إنما كان على سبيل الحكاية عمن تقدمه من الأنبياء كما في صحيح مسلم عن عبد اللّه قال : كأني أنظر إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه ويمسح الدم عن وجهه ويقول : « رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون » « 2 » .
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ
بقوله واغفر لأبي أي بأن توفقه للإيمان وتهديه إليه ، وجه تعلق هذه الآية بما قبلها أنه تعالى لما بالغ في وجوب الانقطاع عن المشركين الأحياء منهم والأموات بين أن هذا الحكم غير مختص بدين محمد صلى اللّه عليه وسلم بل هو مشروع أيضا في دين إبراهيم فتكون المبالغة في وجوب الانقطاع أكمل وأقوى .
إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ
ذكر سبحانه السبب في استغفار إبراهيم لأبيه أنه كان لأجل وعد تقدم من إبراهيم لأبيه بالاستغفار له ، والاستثناء مفرغ من أعم العلل أي لم يكن استغفاره لأبيه ناشئا عن شيء ولأجل شيء إلا عن موعدة مبنية على عدم تبين أمره وعدها إياه أي لأجلها .
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ
مصر على العداوة والكفر ومستمر عليه ، وانه غير مستحق للاستغفار بموته على الكفر
تَبَرَّأَ مِنْهُ
وترك الاستغفار له ، وهذا يدل على أنه إنما وعده قبل أن يتبين له أنه من أهل النار ومن أعداء اللّه ، فلا حاجة إلى السؤال الذي يورده كثير من المفسرين أنه كيف خفي ذلك على إبراهيم فإنه لم يخف عليه تحريم الاستغفار لمن أصر على الكفر ومات عليه وهو لم يعلم ذلك إلا بإخبار اللّه سبحانه له بأنه عدو للّه ، فإن ثبوت هذه العداوة يدل على الموت على الكفر ، وكذلك لم يعلم نبينا صلى اللّه عليه وآله وسلم بتحريم ذلك إلا بعد أن أخبره اللّه بهذه الآية ، وهذا حكم إنما يثبت بالسمع لا بالعقل . وقيل المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه إلى الإسلام وهو ضعيف جدا وقيل المراد به هنا النهي عن الصلاة على جنائز الكفار فهو كقوله تعالى :
وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً
[ التوبة : 84 ] ولا حاجة إلى تفسير الاستغفار بالصلاة ولا ملجىء إلى ذلك . ثم ختم اللّه سبحانه هذه الآية بالثناء العظيم على إبراهيم فقال :
إِنَّ إِبْراهِيمَ
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 54 ، والمرتدين باب 5 ، ومسلم في الجهاد حديث 104 ، وابن ماجة في الفتن باب 23 ، وأحمد في المسند 1 / 380 ، 427 ، 432 ، 441 ، 453 ، 456 ، 457 . ( 2 ) تقدم الحديث انظر الحاشية السابقة .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 187 | صديق الحسيني القنوجي البخاري