تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
الصائم الملازم للسياحة ، قيل هم الصائمون ، وإليه ذهب جمهور المفسرين ، وبه قال ابن مسعود ومنه قوله تعالى :
عابِداتٍ سائِحاتٍ
[ التحريم : 5 ] وإنما قيل للصائم سائح لأنه يترك اللذات كلها كما يترك السائح في الأرض ، قاله سفيان بن عيينة . وقال الأزهري : سمي الصائم سائحا لأن الذي يسيح في الأرض متعبدا لا زاد معه فكان ممسكا عن الأكل ، وكذلك الصائم ممسك عنه ، قال الزجاج : ومذهب الحسن أن السائحين هنا هم الذين يصومون الفرض ، وقيل إنهم الذين يديمون الصيام ، وقال عطاء : السائحون هم الغزاة والمجاهدون ، وقال عبد الرحمن بن زيد : هم المهاجرون ، وقال عكرمة : هم الذين يسافرون لطلب الحديث ، وقيل هم الحائرون بأفكارهم في توحيد ربهم وملكوته وما خلق من العبر ، وقيل هم طلبة العلم مطلقا لأنهم ينتقلون من بلد إلى بلد في طلبه ويسيحون في الأرض يطلبونه من مظانه ويدخل فيه طالب الحديث دخولا أوليا .
الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ
معناه المصلون المحافظون على الصلوات ، وعبر عنها بهما لأنهما معظم أركانها وبهما يمتاز المصلي من غيره بخلاف غيرهما كالقيام والقعود لأنهما حالتا المصلي وغيره
الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
أي القائمون بأمر الناس بما هو معروف في الشريعة
وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ
أي القائمون بالإنكار على من فعل منكرا أي شيئا ينكره الشرع . قال الحسن : أما إنهم لم يأمروا الناس بالمعروف حتى كانوا من أهله ، ولم ينهوا عن المنكر حتى انتهوا عنه ، لم يأت بعاطف بين هذه الأوصاف لمناسبتها لبعضها إلا في هذين الوصفين للمضادة بينهما إذ الأول طلب فعل والثاني طلب ترك أو كف
وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ
أي القائمون بحفظ شرائعه التي أنزلها اللّه في كتبه وعلى لسان رسله ، وقيل بطاعة اللّه . وقال الحسن : بفرائض اللّه وهم أهل الوفاء ببيعة اللّه ، وقيل بأوامره ونواهيه أو بمعالم الشرع ، وقيل إن العطف في الصفات يجيء بالواو وبغيرها ، كقوله :
غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ
[ غافر : 3 ] وقيل إن الواو زائدة ، وقيل هي واو الثمانية المعروفة عند النحاة كما في قوله تعالى :
ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً
[ التحريم : 5 ] وقوله :
وَفُتِحَتْ أَبْوابُها
[ الزمر : 73 ] وقوله :
سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ
[ الكهف : 22 ] . وقد أنكر واو الثمانية أبو علي الفارسي وناظره في ذلك ابن خالويه ، قال الخفاجي : وقائل هذا القول يعني كون السبع عددا تاما هو أبو البقاء تبعا لغيره ممن أثبت واو الثمانية ، وهو قول ضعيف لم يرضه النحاة كما فصله صاحب المغني اه والحافظ ابن القيم في البدائع .