بالأنفس هنا أنفس المجاهدين ، وبالأموال ما ينفقونه في الجهاد أو في جميع وجوه البر والطاعات ، ويدخل فيها الجهاد دخولا أوليا .
قال أهل المعاني : لا يجوز أن يشتري اللّه شيئا في الحقيقة لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملكه والأشياء كلها ملك للّه عز وجل ، ولهذا قال الحسن : أنفسنا هو خلقها وأموالنا هو رزقنا إياها ، لكن جرى هذا مجرى التلطف في الدعاء إلى الطاعة والجهاد وجعل ذلك استبدالا وشراء ، ودخلت الباء هنا على المتروك على بابها وسماها أبو البقاء باء المقابلة كقولهم باء العوض وباء الثمنية .
وقرأ عمر بن الخطاب بالجنة ، عن جابر بن عبد اللّه قال : لما نزلت هذه الآية على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو في المسجد كبر الناس في المسجد فأقبل رجل من الأنصار ثانيا طرفي ردائه على عاتقه فقال : يا رسول اللّه أنزلت هذه الآية قال : نعم ، فقال الأنصاري : بيع ربيح لا نقيل ولا نستقيل .
وقد أخرج ابن سعد عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم اشترط في بيعة العقبة على من بايعه من الأنصار أن يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأنه رسول اللّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة والسمع والطاعة ولا ينازعوا في الأمر أهله ، ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم قالوا نعم ، قال قائل الأنصار نعم لك هذا يا رسول اللّه فما لنا قال الجنة ، وأخرجه ابن سعد أيضا من وجه آخر ، وليس في قصة العقبة ما يدل على أنها سبب نزول الآية .
يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
استئناف لبيان البيع الذي يقتضيه الاشتراء المذكور لا لبيان نفس الاشتراء ، لأن قتالهم في سبيل اللّه ليس باشتراء من اللّه أنفسهم وأموالهم كأنه قيل كيف يبيعونها بالجنة فقيل يقاتلون ، وقيل فيه معنى الأمر أي قاتلوا في سبيله .
ثم بين هذه المقاتلة بقوله :
فَيَقْتُلُونَ
أعداء اللّه
وَيُقْتَلُونَ
في طاعته والمراد أنهم يقدمون على قتل الكفار في الحرب ويبذلون أنفسهم في ذلك ، فإن فعلوا فقد استحقوا الجنة ، وإن لم يقع القتل عليهم بعد الابلاء في الجهاد والتعرض للموت بالإقدام على الكفار ، وتقديم حالة القاتلية على حالة المقتولية للايذان بعدم الفرق بينهما في كونهما مصداقا لكون القتال بذلا للنفس .
وفي قراءة بتقديم المبنى للمفعول رعاية لكون الشهادة عريقة في الباب ، وإيذانا بعدم مبالاتهم بالموت في سبيل اللّه بل بكونه أحب إليهم من السلامة أي فيقتل بعضهم ، ويقاتل الباقي يعني لا يشترط اجتماع الأمرين في الشخص الواحد بل يتحقق الفضل العظيم وإن لم يوجد واحد من الوصفين كما إذا وجدت المضاربة من غير قتل بل يتحقق الجهاد بمجرد العزم وتكثير السواد .