ومنه يقال أشفى على كذا إذا دنا منه وقرب أن يقع فيه ، والجرف بضم الراء وسكونها قراءتان سبعيتان ، وعلى كل فالجيم مضمومة وهو ما يتجرف بالسيول وهي الجوانب التي تنحفر بالماء وقيل المكان الذي أكل الماء تحته فهو إلى السقوط قريب ، وقيل البئر التي لم تطو ، وقيل هو الهوة ، والاجتراف اقتلاع الشيء من أصله ، والهار الساقط يقال هار البناء إذا سقط وأصله هائر كما قالوا شاك السلاح وشائك ، كذا قال الزجاج : يقال هار يهور ويهار وهار يهير وتهور البناء وتهير فهو مقلوب بتقديم لامه على عينه ، وقيل حذفت عينه اعتباطا أي لغير موجب .
وقال أبو حاتم : إن أصله هاور أي ساقط متداع منها ، قال في شمس العلوم :
الجرف ما جرف السيل أصله وأشرف أعلاه فإن انصدع أعلاه فهو الهار انتهى وقيل لا قلب فيه ولا حذف وأن أصله هور أو هير قال السمين وهذا أعدل الوجوه لاستراحته من ادعاء القلب والحذف اللذين هما على خلاف الأصل لولا أنه غير مشهور عند أهل التصريف انتهى .
جعل اللّه سبحانه هذا مثلا لما بنوا عليه دينهم الباطل المضمحل بسرعة ثم قال :
فَانْهارَ
الجرف أو الشفا أو بنيان الباني على شفا جرف هار
بِهِ
أي بالبنيان أو المعنى أنه طاح الباطل بالبناء والباني
فِي نارِ جَهَنَّمَ
قال ابن عباس : صيرهم نفاقهم إلى النار ، روي أنهم رأوا الدخان حين حفروا أساسه ، وقال قتادة : واللّه ما تناهى بناؤهم حتى وقع في النار .
والباء في به للتعدية أو المصاحبة أي فانهار مصاحبا له وجاء بالانهيار الذي هو للجرف ترجيحا للمجاز ، وسبحان اللّه ما أبلغ هذا الكلام وأقوى تراكيبه وأوقع معناه وأفصح مبناه ، عن جابر بن عبد اللّه قال : لقد رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حيث انهار على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، أخرجه الحاكم ومسدد وابن جرير وغيرهم .
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
أي لا يوفقهم للخير عقوبة لهم على نفاقهم
ثم ذكر سبحانه أن بنيانهم هذا موجب لمزيد ريبهم واستمرار ترددهم وشكهم فقال :
لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ
مصدر بمعنى اسم المفعول
الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ
أي شكا ونفاقا أي سبب ريبهم كأنه نفس الريبة أما حال بنائه فظاهر وأما حال هدمه فلأنه رسخ به ما كان في قلوبهم من الشر وتضاعفت آثاره وأحكامه ، وقيل معنى الريبة الحسرة والندامة لأنهم ندموا على بنيانه ، وقال المبرد أي حرارة وغيظا .
وقد كان هؤلاء الذين بنوا مسجد الضرار منافقين شاكين في دينهم ، ولكنهم ازدادوا بهدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم له نفاقا وتصميما على الكفر ومقتا للإسلام لما أصابهم من الغيظ الشديد والغضب العظيم بهدمه .