ثم ذكر سبحانه ما يدل على استمرار هذه الريبة ودوامها وهو قوله :
إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ
قطعا وتتفرق أجزاء إما بالموت أو بالسيف ، وقيل في القبور أو في النار ، والمقصود أن هذه الريبة دائمة لهم ما داموا أحياء ، ويجوز أن يكون ذكر التقطع تصويرا لحال زوال الريبة وقيل معناه إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم .
وقرىء تقطع بالتخفيف والخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم أي إلا أن تقطع يا محمد قلوبهم وتتمكن منهم كل التمكن ، وقرىء ولو تقطعت قلوبهم ، وقرىء شاذا إلى أن تقطع على الغاية أي لا يزالون كذلك إلى أن يموتوا والمستثنى منه محذوف ، والتقدير في كل وقت إلا وقت تقطيع قلوبهم ، أو في كل حال إلا حال تقطيعها
وَاللَّهُ عَلِيمٌ
بعزائمهم
حَكِيمٌ
في جزاء جرائمهم .
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 111 ]
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 111 )
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
لما شرح اللّه تعالى فضائح المنافقين وقبائحهم بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك ، وذكر أقسامهم وفرع على كل قسم منها ما هو لائق به ، عاد على بيان فضيلة الجهاد والترغيب فيه وقد بالغ في ذلك على وجه لا مزيد عليه حيث عبر عن قبوله أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله واثباته إياهم بمقابلتها بالجنة بالشراء ، فذكر الشراء تمثيل على طريقة الاستعارة التبعية كما في قوله :
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى
[ البقرة : 16 ] .
ثم جعل المبيع الذي هو العمدة والمقصد ، أنفس المؤمنين وأموالهم وجعل الثمن الذي هو الوسيلة في الصفقة الجنة ، ولم يجعل الأمر على العكس بأن يقال إن اللّه باع الجنة من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم ، ليدل على المقصود في العقد هو الجنة وما بذله المؤمنون في مقابلتها وسيلة إليها إيذانا بكمال العناية بهم وبأموالهم .
ثم إنه لم يقل بالجنة بل قال :
بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
مبالغة في تقرر وصول الثمن إليهم واختصاصه بهم كأنه قيل بالجنة الثابتة لهم المختصة بهم ، وأصل الشراء بين العباد هو إخراج الشيء عن الملك بشيء آخر مثله أو دونه أو أنفع منه ، فهؤلاء المجاهدون باعوا أنفسهم من اللّه بالجنة التي أعدها اللّه للمؤمنين أي بأن يكونوا من أهل الجنة وممن يسكنها جادوا بأنفسهم وهي أنفس الاعلاق والجود بها غاية الجود ، وجاد اللّه عليهم بالجنة وهي أعظم ما يطلبه العباد ويتوسلون إليه بالأعمال ، والمراد