وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ
معنى محبة اللّه لهم الرضا عنهم والإحسان إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه .
وأخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم عن أبي أيوب وجابر بن عبد اللّه وأنس بن مالك أن هذه الآية لما نزلت قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا معشر الأنصار إن اللّه قد اثنى عليكم خيرا في الطهور فما طهوركم هذا ؟ قالوا نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة ؛ قال فهل مع ذلك غيره ؟ قالوا لا ، غير أن أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحب أن يستنجي بالماء ، قال هو ذاك فعليكموه » « 1 » .
وفي حديث رواه البزاز قالوا نتبع الحجارة بالماء ؟ فقال هو ذاك فعليكموه ، وفي الباب روايات بألفاظ ، وقد روي عن جماعة من التابعين في ذكر سبب نزول الآية نحو هذا .
ولا يخفاك أن بعض هذه الأحاديث ليس فيه تعيين مسجد قباء وأهله وبعضها ضعيف وبعضها لا تصريح فيه بأن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء ؛ وعلى كل حال لا يقاوم تلك الأحاديث المصرحة بأن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) في صحتها وصراحتها .
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 109 إلى 110 ]
أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 109 ) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 110 )
ثم بين سبحانه أن بين الفريقين بونا بعيدا فقال :
أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ
الهمزة للإنكار والجملة مستأنفة مبينة لخيرية الرجال المذكورين على أهل مسجد الضرار ، والفاء عاطفة على مقدر أي أبعد ما علم حالهم فمن أسس ، والبنيان مصدر كالعمران وأريد به المبنى .
والمعنى أن من أسس بناء دينه على قاعدة قوية محكمة وهي تقوى اللّه ورضوانه خير ممن أسس دينه على ضد ذلك وهو الباطل والنفاق ، قيل إنه استعارة مكنية شبهت التقوى والرضوان بما يعتمد عليه البناء تشبيها مضمرا في النفس ، وأسس بنيانه تخييل فهو مستعمل في معناه الحقيقي أو مجاز فتأسيس البنيان بمعنى إحكام أمور دينية أو تمثيل لحال من أخلص للّه وعمل الأعمال الصالحة بحال من بنى شيئا محكما مؤسسا يستوطنه ويتحصن فيه أو البنيان استعارة أصلية والتأسيس ترشيح والشفا الشفير ، وشفا كل شيء حرفه وطرفه .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة في الطهارة باب 16 ، والحاكم في المستدرك ، كتاب الطهارة 1 / 155 .