تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
في الدنيا ، فثبت بهذا الاعتبار أن المال والولد عذاب على المنافق في الدنيا دون المؤمن ، وكذا في الآخرة يعذبهم بعذاب النار بسبب عدم الشكر لربهم الذي أعطاهم ذلك وترك ما يجب عليهم من الزكاة فيها والتصدق بما يحق التصدق به . وقيل في الكلام تقديم وتأخير والمعنى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد اللّه ليعذبهم بها في الآخرة لأنهم المنافقون فهم ينفقون كارهين فيعذبون بما ينفقون .
وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ
الزهوق الخروج بصعوبة والمعنى أن اللّه يريد أن يزهق أنفسهم ويخرج أرواحهم حال كفرهم لعدم قبولهم لما جاءت به الأنبياء وأرسلت به الرسل ، وتصميمهم على الكفر وتماديهم في الضلالة ، قال الزمخشري : والمراد الاستدراج بالنعم كقوله :
إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً
[ آل عمران : 178 ] كأنه قيل ويريد أن يديم عليهم نعمه إلى أن يموتوا وهم كافرون مشغولون بالتمتع عن النظر للعاقبة .

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 56 إلى 58 ]

وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ( 56 ) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ( 57 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ ( 58 ) ثم ذكر اللّه سبحانه نوعا آخر من قبائح المنافقين فقال :
وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ
أي من جملتكم في دين الإسلام والانقياد لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولكتاب اللّه سبحانه
وَما هُمْ مِنْكُمْ
في ذلك إلا بمجرد ظواهرهم دون بواطنهم
وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ
أي يخافون أن ينزل بهم ما نزل بالمشركين من القتل والسبي فيظهرون لكم الإسلام تقية منهم لا عن حقيقة .
لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً
أي مكانا يلتجئون إليه ويحفظون نفوسهم فيه منكم من حصن أو رأس جبل أو قلعة أو جزيرة ، والملجأ يصلح للمصدر والزمان والمكان والظاهر منها هنا المكان ، قال ابن عباس : الملجأ الحرز في الجبال وقيل حصنا ومعقلا
أَوْ مَغاراتٍ
جمع مغارة من غار يغير . قال الأخفش : ويجوز أن يكون من أغار يغير ، والمغارات الغيران والسراديب وهي المواضع التي يستتر فيها ، ومنه غار الماء وغارت العين ، والمغارة هي المكان المنخفض في الأرض أو في الجبل ، والغور من كل شيء قعره والغور المطمئن من الأرض ، وغار الرجل غورا أتى الغور وأغار بالألف مثله ، والغار والمغار والمغارة كالكهف في الجبل ، والكهف كالبيت في الجبل ، وقيل المغارة السرب في الأرض كنفق اليربوع ، والغار الثقب في الجبل .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 130 | صديق الحسيني القنوجي البخاري