تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
ثم توعدهم على ذلك فقال :
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
أي مشتملة عليهم من جميع الجوانب لا يجدون عنها مخلصا ، ولا يتمكنون من الخروج منها بحال من الأحوال ، وهذا وعيد لهم على ما فعلوا معطوف على الجملة السابقة داخل تحت التنبيه ، وقصة تبوك مذكورة في كتب الحديث والسير فلا نطول بذكرها .
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ
أي حسنة كانت بأي سبب اتفق كما يفيده وقوعها في حيز الشرط وكذلك القول في المصيبة وتدخل الحسنة والمصيبة الكائنة في القتال كما يفيده السياق دخولا أوليا . فمن جملة ما يصدق عليه الحسنة الغنيمة والظفر ، ومن جملة ما يصدق عليه المصيبة الخيبة والانهزام ، وهذا ذكر نوع آخر من خبث ضمائر المنافقين وسوء أفعالهم والإخبار بعظم عدواتهم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وللمؤمنين ، فإن المساءة بالحسنة ، والفرح بالمصيبة من أعظم ما يدل على إنهم قد بلغوا في العداوة إلى الغاية .
وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ
أي هزيمة أو شدة كما تقدم ، وقابل اللّه هنا الحسنة بالمصيبة ولم يقابلها بالسيئة كما قال في سورة آل عمران
وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها
[ آل عمران : 120 ] لأن الخطاب هنا للنبي صلى اللّه عليه وسلم وهي في حقه مصيبة يثاب عليها لا سيئة يعاتب عليها ، والتي هناك خطاب للمؤمنين . قاله الشهاب .
يَقُولُوا
أي المنافقون حاميدن لرأيهم
قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ
أي احتطنا لأنفسنا وأخذنا بالحزم واعتزلنا عنهم ، وقعدنا عن الحرب ، فلم نخرج للقتال كما خرج المؤمنون حتى نالهم ما نالهم من المصيبة
وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ
أي رجعوا إلى أهلهم عن مقامات الاجتماع ومواطن التحدث حال كونهم فرحين بالمصيبة التي أصابت المؤمنين وبما صنعوا من أخذ الأمر ، وبما أصابه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، والجملة حال من الضمير في يقولوا ويتولوا لا من الأخير فقط لمقارنة الفرح لهما معا .

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 51 إلى 53 ]

قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 51 ) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ( 52 ) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ ( 53 ) ثم لما قالوا هذا القول أمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم بأن يجيب عليهم فقال :
قُلْ
لهم بيانا لبطلان ما بنوا عليه مسرتهم من الاعتقاد
لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا
في اللوح المحفوظ أو في كتابه المنزل علينا ، وفائدة هذا الجواب أن الإنسان إذا علم أن ما قدره اللّه كائن وإن كل ما ناله من خير أو شر إنما هو بقدر اللّه وقضائه ، هانت عليه المصائب ولم يجد مرارة شماتة الأعداء وتشفي الحسدة .