تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
ثم بين سبحانه السبب المانع من قبول نفقاتهم فقال :
وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ
استثناء من أعم الأشياء أي ما منعهم من قبول نفقاتهم شيء من الأشياء إلا كفرهم بهما ، جعل المانع من القبول ثلاثة أمور . الأول : الكفر . والثاني
وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى
أي أنهم لا يصلون في حال من الأحوال إلا في حال الكسل والتثاقل لأنهم لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا فصلاتهم ليست إلا رياء للناس وتظاهرا بالإسلام الذي يبطنون خلافه والثالث أنهم
وَلا يُنْفِقُونَ
أموالهم
إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ
ولا ينفقونها طوعا لأنهم يعدون إنفاقها وضعا لها في مضيعة لعدم إيمانهم بما وعد اللّه ورسوله . لا يقال إن الكفر سبب مستقل لعدم القبول ، فما وجه التعليل بمجموع الأمور الثلاثة وعند حصول السبب المستقل لا يبقى لغيره أثر ، لأن هذا إنما يتوجه على قول المعتزلة القائلين بأن العلل مؤثرة في الحكم ، وأما أهل السنة فإنهم يقولون هذه الأسباب معرفة غير موجبة للثواب ولا للعقاب ، واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد جائز ، قاله الشهاب .
فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ
الإعجاب بالشيء أن تسر به سرور راض به متعجب من حسنه ، قيل مع نوع من الافتخار به واعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه ، وهذا المعنى إنما يناسب في إعجاب الشخص بمال نفسه ، يقال أعجب بماله أو ولده أي فرح به واغتر به ، وما هنا في إعجاب المرء بمال غيره ، والمعنى عليه لا تستحسن ما معهم من الأموال والأولاد ولا تحمدها ولا تخبر برضاك بها فهي استدراج ، وقيل يقال في الاستحسان أعجبني بالألف ، وفي الذم والإنكار عجبت ، وزان تعبت ، وهذا الخطاب وإن مختصا بالنبي صلى اللّه عليه وسلم لكن يعم جميع المؤمنين .
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
بما يحصل معهم من الغم والحزن عند أن يغنمها المسلمون ويأخذوها قسرا من أيديهم مع كونها زينة حياتهم وقرة أعينهم أو بما يلقون في جمعها من المشقة والمتاعب ، وفيها من المصائب ، ومنه قول العرب بلوغ الآمال في ركوب الأهوال . والمؤمن قد علم أنه مخلوق للآخرة ، وإنه يثاب بالمصائب الحاصلة في الدنيا فلم يكن المال والولد في حقه عذابا في الدنيا ، وأما المنافق فإنه لا يعتقد كون الآخرة له ولا إن له فيها ثوابا فبقي ما يحصل له في الدنيا من التعب والحزن على المال والولد عذابا عليه
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 129 | صديق الحسيني القنوجي البخاري