تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
هُوَ مَوْلانا
أي ناصرنا وجاعل العاقبة لنا ومظهر دينه على جميع الأديان
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
الفاء سببية والأصل ليتوكل قدم الظرف على الفعل لإفادة القصر ، ثم أدخلت الفاء للدلالة على استيجابه تعالى للتوكل كما في قوله :
وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
[ البقرة : 40 ] والتوكل على اللّه تفويض الأمور إليه والمعنى إن من حق المؤمنين أن يجعلوا توكلهم في جميع أمورهم مختصا باللّه سبحانه لا يتوكلون على غيره .
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا
أي هل تنتظرون أيها المنافقون أن يقع بنا
إِلَّا إِحْدَى
الخصلتين
الْحُسْنَيَيْنِ
إما النصرة والغنيمة أو الشهادة والمغفرة وكلاهما مما يحسن لدينا ، والحسنى تأنيث الأحسن ومعنى الاستفهام التقريع والتوبيخ ، وهذا إيضاح وكشف لقوله إلا ما كتب اللّه لنا .
وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ
إحدى المساءتين لكم من العواقب إما
أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ
أي قارعة نازلة من السماء كما أصاب من قبلكم من الأمم المهلكة فيسحتكم بعذابه
أَوْ
بعذاب لكم
بِأَيْدِينا
أي بإظهار اللّه لنا عليكم بالقتل والأسر والنهب والسبي ، والفاء في
فَتَرَبَّصُوا
فصيحة والأمر للتهديد كما في قوله :
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
[ الدخان : 49 ] أي تربصوا بنا ما ذكرنا من عاقبتنا
إِنَّا
أي نحن
مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ
ما هو عاقبتكم فستنظرون عند ذلك ما يسرنا ويسوءكم .
قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ
هذا الأمر معناه الشرط والجزاء لأن اللّه سبحانه لا يأمرهم بما لا يتقبله منهم ، والتقدير أن أنفقتم طائعين أو مكرهين فلن يتقبل منكم ، وقيل هو أمر في معنى الخبر أي أنفقتم طوعا أو كرها لن يتقبل منكم فهو كقوله :
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
[ التوبة : 80 ] وفيه الإشعار بتساوي الأمرين في عدم القبول . وانتصاب طوعا وكرها على الحال فهما مصدران في موقع المشتقين أي انفقوا طائعين من غير أمر من اللّه ورسوله أو مكرهين بأمر منهما ، وليس المراد بالطوع الرغبة لقوله الآتي :
إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ
أي لا رغبة لهم وسمى الأمر منهما إكراها لأنهم منافقون لا يأتمرون بالأمر فكانوا بأمرهم الذي لا يأتمرون به كالمكرهين على الانفاق أو طائعين من غير إكراه من رؤسائكم أو مكرهين منهم ، قال الخطيب : وهذه الآية وإن كانت خاصة في إنفاق المنافقين فهي عامة في حق كل من أنفق ماله لغير وجه اللّه بل أنفقه رياء وسمعة فإنه لا يقبل منه
إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ
تعليل لعدم قبلو انفاقهم ، والفسق هنا التمرد والعتو وقد سبق بيان الفسق لغة وشرعا .

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 54 إلى 55 ]

وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ ( 54 ) فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ( 55 )