تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
صرفها إلى البعض دون البعض على حسب ما يراه الإمام أو صاحب الصدقة ، فذهب إلى الأول حذيفة والشافعي وجماعة من أهل العلم ، وذهب إلى الثاني مالك وأبو حنيفة وبه قال عمر وحذيفة وابن عباس وأبو العالية وسعيد بن جبير وميمون بن مهران . قال ابن جرير : وهو قول عامة أهل العلم ، احتج الأولون بما في الآية من القصر وبحديث زياد بن الحرث الصدائي عند أبي داود والدارقطني قال : أتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم فبايعته فأتى رجل فقال : أعطني من الصدقة ، فقال له : إن اللّه لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو ، فجزأها ثمانية أصناف فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك « 1 » . وأجاب الآخرون بأن ما في الآية من القصر إنما هو لبيان الصرف والمصرف لا لوجوب استيعاب الأصناف ، وبان في إسناد الحديث : عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي وهو ضعيف . ومما يؤيد ما ذهب إليه الآخرون قوله تعالى :
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
[ البقرة : 271 ] والصدقة تطلق على الواجبة كما تطلق على المندوبة ، وصح عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم » « 2 » . وقد ادعى مالك الإجماع على القول الآخر . قال ابن عبد البر : يريد إجماع الصحابة فإنه لا يعلم له مخالفا منهم وقدم الفقراء لأنهم أحوج من البقية على المشهور لشدة فاقتهم وحاجتهم . وقد اختلف أهل العلم في الفرق بين الفقير والمسكين على أقوال ، فقال يعقوب بن السكيت والقتيبي ويونس بن حبيب : إن الفقير أحسن حالا من المسكين . قالوا لأن الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه ، والمسكين الذي لا شيء له ، وذهب إلى هذا قوم من أهل الفقه منهم أبو حنيفة . وقال آخرون بالعكس فجعلوا المسكين أحسن حالا من الفقير ، واحتجوا بقوله تعالى :
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ
[ الكهف : 79 ] فأخبر أن لهم سفينة من سفن البحر وربما ساوت جملة من المال ويؤيده تعوذ النبي صلى اللّه عليه وسلم من الفقر مع قوله : « اللّهم احيني مسكنا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين » « 3 » وإلى هذا ذهب الأصمعي وغيره من أهل اللغة وحكاه الطحاوي عن الكوفيين وهو أحد قولي الشافعي
هامش
( 1 ) أخرجه الدارقطني في الزكاة 2 / 137 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 369 . ( 3 ) أخرجه الترمذي في الزهد باب 37 ، وابن ماجة في الزهد باب 7 .