وقال في سورة الفتح
سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها
[ الفتح : 15 ] إلى قوله :
قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا
[ الفتح : 15 ] وفي الآية وعيد وتهديد للمنافقين الذين يلقون الفتن والشبهات بين المؤمنين ، ووضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالظلم والتشديد في الوعيد والإشعار بترتبه على الظلم ، قال أبو السعود : ولعله شامل للفريقين السماعين والقاعدين .
لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ
أي لقد طلبوا الإفساد والخبال وتفريق كلمة المؤمنين وتشتت شملهم من قبل هذه الغزوة التي تخلفوا عنك فيها ، كما وقع من عبد اللّه بن أبيّ وغيره يوم أحد حيث انصرف بأصحابه عنك ،
وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
[ التوبة : 32 ] .
وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ
أي صرفوها من وجه إلى وجه ودبروا لك الحيل والمكايد ، وردوا الآراء في إبطال أمرك وتقليب الأمر تصريفه من أمر إلى أمر وترديده لأجل التدبير والاجتهاد في المكر والحيلة ، ومنه قول العرب للرجل حوّل وقلب إذا كان دائرا حول المكايد والحيل يدبر الرأي فيها ويتدبره وقرىء بالتخفيف .
حَتَّى جاءَ الْحَقُّ
أي إلى غاية هي مجيء الحق وهو النصر لك والتأييد ، وقيل الحق القرآن
وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ
بإعزاز دينه وإعلاء شريعته وقهر أعدائه
وَهُمْ كارِهُونَ
لمجيء الحق وظهور أمر اللّه ، ولكن كان ذلك على رغم منهم .
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 49 إلى 50 ]
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ( 49 ) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ( 50 )
وَمِنْهُمْ
أي من المنافقين
مَنْ يَقُولُ
لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
ائْذَنْ لِي
في التخلف عن الجهاد
وَلا تَفْتِنِّي
أي لا توقعني في الفتنة أي المعصية والاثم إذا لم تأذن لي فتخلفت بغير إذنك ، وقيل معناه لا توقعني في الهلكة بالخروج .
عن ابن عباس قال : لما أراد النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك قال للجدّ بن قيس : يا جد بن قيس ما تقول في مجاهدة بني الأصفر ؟ فقال : يا رسول اللّه إني امرؤ صاحب نساء ، ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن ، فأذن لي ولا تفتني ، فأنزل اللّه
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي
الآية .
أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا
أي في نفس الفتنة ، وهي فتنة التخلف عن الجهاد والاعتذار الباطل ، والمعنى إنهم ظنوا أنهم بالخروج أو بترك الإذن لهم يقعون في الفتنة وهم بهذا التخلف سقطوا في الفتنة العظيمة ، وفي التعبير بالسقوط ما يشعر بأنهم وقعوا فيها وقوع من يهوي من أعلى إلى أسفل ، وذلك أشد من مجرد الدخول في الفتنة .