تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
وقيل المعنى لا يزيدونكم فيما يترددون فيه من الرأي إلا خبالا ، فيكون متصلا ، وقيل قوله استثناء من أعم العام أي ما زادوكم شيئا إلا خبالا فيكون الاستثناء من قسم المتصل لأن الخبال من جملة ما يصدق عليه الشيء .
وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ
الإيضاع سرعة السير ، يقال أوضع البعير إذا أسرع السير ، وقيل هو سير الخبب ، وأوضع يستعمل لازما كما في القاموس ومتعديا كما في المختار ، والخلة الفرجة بين الشيئين والمفرد خلل ، والجمع الخلال كجمل وجمال أي الفرج التي تكون بين الصفوف . والمعنى على الأول لسعوا بينكم بالإفساد بما يختلقونه من الأكاذيب المشتملة على الأرجاف والنمائم الموجبة لفساد ذوات البين ، وعلى الثاني أسرعوا ركائبكم بينكم بالنميمة ، وفيه استعارة تخييلية ومكنية ، وقيل إنه استعارة تبعية شبه سرعة أفسادهم لذات البين بالنميمة بسرعة سير الركائب المسماة بالإيضاع وهو إسراع سير البعير ، ثم استعير لسرعة الإفساد لفظ الإيضاع وهو للإبل ثم اشتق منه أوضعوا وأصل الاستعارة ولأوضعوا ركائب نمائمهم خلالكم ، ثم حذف النمائم وأقيم المضاف إليه مقامها لدلالة سياق الكلام على أن المراد النميمة ثم حذف الركائب ، قاله الطيبي كما ذكره زكريا .
يَبْغُونَكُمُ
يقال بغيته كذا طلبته له وأبغيته كذا أعنته على طلبه ، والمعنى يطلبون لكم
الْفِتْنَةَ
أي ما يفتنون به ذات بينكم بما يصنعونه من التحريش والإفساد ، وقولهم للمؤمنين لقد جمعوا لكم كذا وكذا ولا طاقة لكم بهم وإنكم ستهزمون منهم وسيظهرون عليكم ، ونحو ذلك من الأحاديث الكاذبة التي تورث الجبن والفشل ، وقيل الفتنة العيب والشر ، وقيل الفتنة هنا الشرك .
وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ
أي والحال أن فيكم من يستمع ما يقولونه من الكذب فينقله إليكم ، فيتأثر من ذلك الاختلاف بينكم والفساد لأحوالكم ، قال مجاهد : معناه محدثون لهم بأحاديثكم غير منافقين وهم عيون للمنافقين . انتهى . فعلى هذا يكون المراد فيكم جواسيس منهم يسمعون لهم الأخبار منكم فاللام على الأول للتقوية ، وعلى الثاني للتعليل أي لأجلهم
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
وبما يحدث منهم لو خرجوا معكم فلذلك اقتضت حكمته البالغة أن لا يخرجوا معكم وكره انبعاثهم معكم . ولا ينافي حالهم هذا لو خرجوا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما تقدم من عتابه على الإذن لهم في التخلف ، لأنه سارع إلى الإذن لهم ولم يكن قد علم من أحوالهم لو خرجوا إنهم يفعلون هذه الأفاعيل ، فعوتب صلى اللّه عليه وسلم على تسرعة إلى الإذن لهم قبل أن يتبين له الصادق منهم في عذره من الكاذب ، ولهذا قال اللّه سبحانه فيما يأتي في هذه السورة
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً
[ التوبة : 83 ] الآية .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 125 | صديق الحسيني القنوجي البخاري