وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ
الاستدراك هنا يحتاج إلى تأمل ، فلذلك قال الزمخشري : ما حاصله ولكن كره اللّه خروجهم فثبطوا عن الخروج فيكون المعنى ما خرجوا ولكن ثبطوا لأن كراهة اللّه انبعاثهم تستلزم تثبطهم عن الخروج ، والانبعاث الخروج أي حبسهم اللّه عن الخروج معك وخذلهم وكسلهم لأنهم قالوا إن لم يؤذن لنا في الجلوس أفسدنا وحرضنا على المؤمنين .
وقيل المعنى لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن ما أرادوه لكراهة اللّه له ، وعلى هذا فهو استدراك على نفس المقدم على نهج ما في الأقيسة الاستثنائية ، وكان في خروجهم مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مفسدة عظيمة بدليل أنه تعالى أخبر عنها بقوله الآتي
ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا
[ التوبة : 47 ] وأما عتاب اللّه لرسوله بقوله
لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
[ التوبة : 43 ] فإنه أذن لهم قبل تمام الفحص وإكمال التأمل والتدبر في حالهم ، فلهذا السبب عاتبة ، وقيل إنما عاتبة لأجل أنه أذن لهم قبل أن يوحى إليه في أمرهم بالقعود .
وَقِيلَ اقْعُدُوا
والقائل لهم هو الشيطان بما يلقيه إليهم من الوسوسة ، وقيل قاله بعضهم لبعض ، وقيل قاله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غضبا عليهم ، وقيل هو عبارة عن الخذلان أي أوقع اللّه في قلوبهم القعود خذلانا لهم ، وقال السيوطي : أي قدر اللّه ذلك أي القعود يعني فلا قول بالفعل لا من اللّه ولا من النبي صلى اللّه عليه وسلم .
مَعَ الْقاعِدِينَ
أي مع أولي الضرر من العميان والمرضى والنساء والصبيان وفيه من الذم لهم والإزراء عليهم والتنقص بهم ما لا يخفى .
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 47 إلى 48 ]
لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 47 ) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ ( 48 )
لَوْ خَرَجُوا
شروع في بيان المفاسد التي تترتب على خروجهم ، وفيه تسلية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وللمؤمنين عن تخلف المنافقين ، ومعنى
فِيكُمْ
في جيشكم أو ( في ) بمعنى مع أي معكم
ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا
هو الشر والفساد والنميمة وإيقاع الاختلاف والأراجيف ، وأصله اضطراب ومرض يؤثر في العقل كالجنون ، قيل هذا الاستثناء منقطع أي ما زادوكم قوة ، ولكن طلبوا الخبال وليس بذاك لأنه لا يكون مفرغا ، قاله الزمخشري والبيضاوي وأبو السعود .
قال الخفاجي : وفيه بحث لأنه لا مانع منه إذا دلت القرينة عليه ، كما إذا قيل ما أنيسك في البادية ؟ فقلت ما لي بها إلا اليعافير ، أي ما ليس إلا هذه ، انتهى .