تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
ثم ذكر سبحانه أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في القعود عن الجهاد ، بل كان من عادتهم أنه صلى اللّه عليه وسلم إذا أذن لواحد منهم بالقعود شق عليه ذلك فقال :
لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
وهذا على أن معنى الآية أن لا يجاهدوا وقيل المعنى لا يستأذنك في التخلف كراهة الجهاد ، وقيل إن معنى الاستئذان في الشيء الكراهة . وأما على ما يقتضيه ظاهر اللفظ فالمعنى لا يستأذنك المؤمنون في الجهاد بل دأبهم أن يبادروا إليه من غير توقف ولا ارتقاب منهم لوقوع الإذن منك فضلا أن يستأذنوك في التخلف ، فحيث استأذنك هؤلاء في التخلف كان ذلك مظنة للتأني في أمرهم بل دليلا على نفاقهم
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ
الذين لم يستأذنوا .

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 45 إلى 46 ]

إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ( 45 ) وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ( 46 )
إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ
في القعود عن الجهاد والتخلف عنه من غير عذر ، وكذا يقال فيما بعده
الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
وهم المنافقون وكانوا تسعة وثلاثين رجلا ، وذكر الإيمان باللّه أولا ثم باليوم الآخر ثانيا في الموضعين لأنهما الباعثان على الجهاد في سبيل اللّه
وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ
جاء بالماضي للدلالة على تحقق الريب في قلوبهم وهو الشك فإذا دخلها الشك كان ذلك نفاقا .
فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ
أي في شكهم الذي حل بقلوبهم يتحيرون ، والتردد التحير ، والمعنى فهؤلاء الذين يستأذنونك ليسوا بمؤمنين ، بل كانوا مرتابين حائرين لا يهتدون إلى طريق الصواب ولا يعرفون الحق ، والآية محكمة كلها ، وقال ابن عباس : نسختها الآية التي في سورة النور
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
[ النور : 62 ] إلى قوله :
غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ البقرة : 173 ] فجعل اللّه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بأعلى النظرين في ذلك من غزا غزا في فضيلة ، ومن قعد قعد في غير حرج إن شاء اللّه .
وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً
أي لو كانوا صادقين فيما يدعونه ويخبرونك به من إنهم يريدون الجهاد معك ولكن لم يكن معهم من العدة للجهاد ما يحتاجون إليه لما تركوا إعداد العدة وتحصيلها قبل وقت الجهاد كما يستعد لذلك المؤمنون ، فمعنى هذا الكلام إنهم لم يريدوا الخروج أصلا ولا استعدوا للغزو ، والعدة ما يحتاج إليه المجاهد من الزاد والراحلة والسلاح .