تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
يزدها إلا حرمة وتعظيما لأن الحسنات والطاعات فيها تتضاعف ، والسيئات فيها أشد من غيرها فلا تنتهك حرمة هذه الأشهر الحرم .
ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
أي كون هذه الشهور كذلك ومنها أربعة حرم هو الدين المستقيم دين إبراهيم وإسماعيل ، وكانت العرب قد تمسكت به وراثة منهما وقيل الحساب الصحيح والعدد المستوفى ، وقيل الدين القيم هو الحكم الذي لا يغير ولا يبدل ولا يزول .
فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ
أي في هذه الأشهر الحرم
أَنْفُسَكُمْ
بإيقاع المعاصي فإنها فيها أعظم وزرا ، وبإيقاع القتال فيها والهتك لحرمتها ، وبه قال أكثر المفسرين ، وقيل إن الضمير يرجع إلى الشهور كلها الحرم وغيرها وإن اللّه نهى عن الظلم فيها والأول أولى . وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن تحريم القتال في الأشهر الحرم ثابت محكم لم ينسخ لهذه الآية ولقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ
[ المائدة : 2 ] ولقوله :
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
[ التوبة : 5 ] الآية . وذهب جماعة آخرون إلى أن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ بآية السيف ، ويجاب عنه بأن الأمر بقتل المشركين ومقاتلتهم مقيد بانسلاخ الأشهر الحرم كما في الآية المذكورة ، فتكون سائر الآيات المتضمنة للأمر بالقتال مقيدة بما ورد في تحريم القتال في الأشهر الحرم كما هي مقيدة بتحريم القتال في الحرم للأدلة الواردة في تحريم القتال فيه . وأما ما استدلوا به من أنه صلى اللّه عليه وسلم حاصر أهل الطائف في شهر حرام وهو ذو القعدة كما ثبت في الصحيحين وغيرهما فقد أجيب عنه بأنه لم يبتدئ محاصرتهم في ذي القعدة بل في شوال ، والمحرم إنما هو ابتداء القتال في الأشهر الحرم لا إتمامه ، وبهذا يحصل الجمع .
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً
أي جميعا في كل الشهور لأن عموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال والأزمنة والبقاع ، وهو مصدر في موضع الحال من ضمير الفاعل في قاتلوا أو من المفعول وهو المشركين ، قال الزجاج : مثل هذا من المصادر كعامة وخاصة لا يثنى ولا يجمع ولا تدخله أل ولا يتصرف فيه بغير الحال .
كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً
فيه دليل على وجوب قتال المشركين وإنه فرض على الأعيان أن لم يقم به البعض
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
أي ينصرهم ويثبتهم ومن كان اللّه معه فهو الغالب وله العاقبة .

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 37 إلى 38 ]

إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( 37 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ( 38 )
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 114 | صديق الحسيني القنوجي البخاري