الكفار يضلون بما يفعلون من النسيء ، ومعنى الثانية أن الذي سن لهم ذلك يجعلهم ضالين بهذه السنة السيئة ، والأولى من طريق العشرة ، والثانية سبعية .
يُحِلُّونَهُ
أي النسيء
عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً
أو الشهر الذي يؤخرونه ويقاتلون فيه ، أي يحلونه عاما بإبداله بشهر آخر من شهور الحل ويحرمونه عاما أي يحافظون عليه فلا يحلون فيه القتال بل يبقونه على حرمته ، والجملة تفسيرية للضلال أو حالية .
لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ
أي لكي يواطئوا ، والمواطأة الموافقة ، يقال تواطأ القوم على كذا أي توافقوا عليه واجتمعوا ، والمعنى إنهم لم يحلوا شهرا إلا حرموا شهرا لتبقى الأشهر الحرم أربعة ، قال قطرب : معناه عمدوا إلى صفر فزادوه في الأشهر الحرم وقرنوه بالمحرم في التحريم ، وكذا قال الطبري .
فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ
من الأشهر الحرم التي أبدلوها بغيرها ، ولم ينظروا إلى أعيانها
زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ
أي زين لهم الشيطان أعمالهم السيئة التي يعملونها ومن جملتها النسيء فظنوه حسنا ، وقرىء على البناء للفاعل
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ
أي المصرين على كفرهم المستمرين عليه فلا يهديهم هداية توصلهم إلى المطلوب ، وأما الهداية بمعنى الدلالة على الحق والإرشاد إليه فقد نصبها اللّه سبحانه لجميع عباده .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ
لما شرح معائب أولئك الكفار عاد إلى ترغيب المؤمنين في قتالهم ، والاستفهام في
ما لَكُمْ
للإنكار والتوبيخ ، أي أيّ شيء يمنعكم عن ذلك ، ولا خلاف أن هذه الآية نزلت عتابا لمن تخلف عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزوة تبوك ، وكانت في رجب سنة تسع من الهجرة بعد رجوعه من الطائف بعد الفتح بعام ، وتبوك مكان على طرف الشام بينه وبين المدينة عشرة مراحل ، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث وبعضهم يصرفه على إرادة الموضع ، فقد جاء في البخاري مصروفا وممنوعا منه ، وقصة هذه الغزوة في سيرة الحلبي مفصلة .
والنّفر هو الانتقال بسرعة من مكان إلى مكان لأمر يحدث ، يقال استنفر الإمام الناس إذا حثهم على الخروج إلى الجهاد ودعاهم إليه ، ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا استنفرتم فانفروا » « 1 » ، والاسم النفير .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الصيد باب 10 ، والجهاد باب 1 ، 27 ، 194 ، والجزية باب 22 ، ومسلم في الحج حديث 445 ، والإمارة حديث 85 ، وأبو داود في الجهاد باب 2 ، والترمذي في السير باب 32 ، والنسائي في البيعة باب 15 ، وابن ماجة في الجهاد باب 9 ، والدارمي في السير باب 69 ، وأحمد في المسند 1 / 226 ، 266 ، 316 ، 355 ، 3 / 401 ، 6 / 466 .