تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
وأثاقلتم معناه تباطأتم وعدي بإلى لتضمنه معنى الميل والأخلاد ، وقيل معناه ملتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء فيها عن الجهاد ، وقرىء أثاقلتم على الاستفهام ومعناه التوبيخ مع النفي .
أَ رَضِيتُمْ
استفهام توبيخ وتعجيب
بِالْحَياةِ الدُّنْيا
أي بخفض العيش وزهرة الدنيا ودعتها ونعيمها بدلا
مِنَ الْآخِرَةِ
كقوله تعالى :
وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً
[ الزخرف : 60 ] أي بدلا منكم
فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ
أي محسوبا في جنبها وفي مقابلتها ، و
فِي
هذه تسمى قياسية
إِلَّا قَلِيلٌ
أي إلا متاع حقير لا يعبأ به لأن لذات الدنيا خسيسة في نفسها ومشوبة بالآفات والبليات ، ومنقطعة عن قرب لا محالة ، ومنافع الآخرة شريفة عالية خالصة عن الآفات دائمة أبدية سرمدية وذلك يوجب القطع بأن متاع الدنيا في جنب متاع الآخرة قليل . ويجوز أن يراد بالقليل العدم إذ لا نسبة للمتناهي الزائل إلى غير المتناهي الباقي والظاهر أن هذا التثاقل لم يصدر من الكل إذ من البعيد أن يطبقوا جميعا على التباطؤ والتثاقل ، وإنما هو من باب نسبة ما يقع من البعض إلى الكل وهو كثير شائع ، وفي الآية دليل على وجوب الجهاد في كل حال وفي كل وقت لأن اللّه سبحانه نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر ، فلو لم يكن منكرا لما عاتبهم على ذلك .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 39 ]

إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 39 ) ويؤيد هذا قوله :
إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً
أي يهلككم بعذاب شديد مؤلم ، قيل في الدنيا فقط باحتباس المطر وغيره ، وقيل هو أعم من ذلك لأن العذاب الأليم لا يكون إلا في الآخرة ، قال الحسن وعكرمة : هذه الآية منسوخة بقوله تعالى :
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً
[ التوبة : 122 ] وقال الجمهور : هذه الآية محكمة لأنها خطاب لقوم استنفرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلم ينفروا كما نقل عن ابن عباس ، وعلى هذا التقدير فلا نسخ ، وفي الآية تهديد شديد ووعيد مؤكد لمن ترك النفر مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ
أي يجعل لرسله بدلا منكم ممن لا يتباطأ عند حاجتهم إليهم ويكون خيرا منكم وأطوع ، واختلف في هؤلاء القوم من هم فقيل أهل اليمن ، وقيل أهل فارس ، قاله سعيد بن جبير ، ولا وجه للتعيين بدون دليل .
وَلا تَضُرُّوهُ
أي اللّه بترك امتثال أمره بالنفير
شَيْئاً
لأنه غني عن العالمين أو لا تضروا رسول اللّه بترك نصره والنفير معه شيئا فإن اللّه ناصره على أعدائه ولا يخذله أبدا نفرتم أو أثاقلتم .