وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا جعل له يوم القيامة صفائح ثم أحمى عليها في نار جهنم ثم تكوى بها جنباه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين الناس فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار » « 1 » .
وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ
اختلف في وجه إفراد الضمير مع كون المذكور قبله شيئين هما الذهب والفضة فقال ابن الأنباري : إنه قصد إلى الأعم الأغلب وهو الفضة ، قال ومثله قوله تعالى :
اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ
[ البقرة : 45 ] ردّ الكناية إلى الصلاة لأنها أعم ، ومثله قوله تعالى :
وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها
[ الجمعة : 11 ] أعاد الضمير إلى التجارة لأنها الأعم ، وقيل إن الضمير راجع إلى الذهب ، والفضة معطوفة عليه والعرب تؤنث الذهب وتذكره .
وقيل الضمير راجع إلى الكنوز المدلول عليها بقوله :
يَكْنِزُونَ
لأنه أعم من النقدين وغيرهما ، وقيل إلى الأموال ، وقيل إلى الزكاة : وقيل إنه اكتفى بضمير أحدهما عن ضمير الآخر مع فهم المعنى وهو كثير في كلام العرب .
وقيل إن إفراد الضمير من باب الذهاب إلى المعنى دون اللفظ ، لأن كل واحد من الذهب والفضة جملة وافية وعدة كثيرة ودنانير ودراهم ، فهو كقوله :
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
[ الحجرات : 9 ] وإنما خص الذهب والفضة بالذكر دون سائر الأموال لكونهما أثمن الأشياء وغالب ما يكنز وإن كان غيرهما له حكمهما في تحريم الكنز .
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
هذا من باب التهكم بهم كما في قوله :
تحية بينهم ضرب وجيع « 2 »
وقيل إن البشارة هي الخبر الذي يتغير له لون البشرة لتأثيره في القلب سواء كان من الفرح أو من الغم ، وعن أبي ذر قال : انتهيت إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال : « هم الأخسرون ورب الكعبة » قال : فقلت : يا رسول اللّه فداك أبي وأمي من هم قال : « هم الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا من بين
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الزكاة حديث 24 ، 25 ، وأحمد في المسند 2 / 262 ، 276 ، 383 .
( 2 ) صدره :وخيل قد دلفت لهم بخيلوالبيت من الوافر ، وهو لعمرو بن معد يكرب في ديوانه ص 149 ، وخزانة الأدب 9 / 252 ، 257 ، 258 ، 261 ، 262 ، 263 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 200 ، والكتاب 3 / 50 ، ونوادر أبي زيد ص 150 ، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب 1 / 345 ، والخصائص 1 / 368 ، وشرح المفصل 2 / 80 ، والكتاب 2 / 323 ، والمقتضب 2 / 20 ، 4 / 314 .