بخلاف الإسلام إلا وقد قهرهم المسلمون وظهروا عليهم في بعض المواضع وإن لم يكن كذلك في جميع مواضعهم ، فقهروا اليهود وأخرجوهم من بلاد العرب ، وغلبوا النصارى على بلاد الشام وما والاها إلى ناحية الروم والغرب ، وغلبوا المجوس على ملكهم ، وغلبوا عباد الأصنام على كثير من بلادهم مما يلي الترك والهند وكذلك سائر الأديان .
فثبت أن الذي أخبر اللّه عنه في هذه الآية قد وقع وحصل ، وكان ذلك إخبارا عن الغيب فكان معجزا ، وقد ذكرنا فتوح الإسلام في كتابنا حجج الكرامة في آثار القيامة الذي حررناه بعد هذا التفسير ، وقيل ذلك عند نزول عيسى وخروج المهدي فلا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام ، ويدل له بعض الأحاديث ، فمنها حديث أبي هريرة : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « وتهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام » « 1 » .
وقال الشافعي : قد أظهر اللّه دين رسوله على الأديان كلها بأن أبان لكل من سمعه إنه الحق وما خالفه من الأديان باطل ، وقيل قهر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعا وكرها ، وقتل أهل الأصنام وسبى حتى دان بعضهم بالإسلام ، وأعطى بعضهم الجزية وجرى عليهم حكمه ، فهذا ظهوره على الدين كله .
وقيل المراد ظهوره على الدين كله في جزيرة العرب وقد حصل ذلك ، فإنه تعالى ما أبقى فيها أحدا من الكفار ، وقيل المراد أن يوقفه على جميع شرائع الدين ويطلعه عليها بالكلية حتى لا يخفى عليه منها شيء ، وقيل المراد ظهوره على الدين كله بالحجة والبيان ، وفيه ضعف لأن هذا وعد بأنه تعالى سيفعله والتقوية بالحجة والبرهان كان حاصلا من أول الأمور .
وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
الكلام فيه كالكلام في
وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
[ التوبة :
32 ] كما قدمنا ذلك ووصفهم بالشرك بعد وصفهم بالكفر للدلالة على أنهم ضموا الكفر بالرسول إلى الكفر باللّه تعالى ، وهذا آخر الآيات التي أمر علي بالتأذين بها في موسم الحج .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ
لما فرغ سبحانه من ذكر حال أتباع الأحبار والرهبان المتخذين لهم أربابا ، ذكر حال المتبوعين وبين إغوائهم لأراذلهم ، قال الضحاك : يعني علماء اليهود والنصارى .
وفي قوله :
إِنَّ كَثِيراً
دليل على أن الأقل منهم لم يأكلوا أموال الناس بالباطل ولم يتلبسوا بذلك بل بقوا على ما يوجبه دينهم من غير تحريف ولا تبديل ولا ميل إلى حطام الدنيا ، ولعلهم الذين كانوا قبل مبعث النبي صلى اللّه عليه وسلم وعبر عن أخذ الأموال بالأكل لأن
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في الملاحم باب 14 .