والأولى حمل الآية على عموم اللفظ فهو أوسع من ذلك ، وأصل الكنز في اللغة الضم والجمع ، ولا يختص بالذهب والفضة ، قال ابن جرير : الكنز كل شيء مجموع بعضه إلى بعض في بطن الأرض كان أو على ظهرها انتهى ، ومنه ناقة كناز أي مكتنزة اللحم ، يقال كنزت المال كنزا من باب ضرب جمعته وادخرته ، وكنزت التمر في وعائه كنزا أيضا وهذا زمن الكناز .
قال ابن السكيت : لم يسمع إلا بالفتح ، وحكى الأزهري الفتح والكسر ، والكنز المال المدفون معروف تسمية بالمصدر والجمع كنوز ، واكتنز الشيء اكتنازا اجتمع وامتلأ ومال مكنوز أي مجموع .
واختلف أهل العلم في المال الذي أديت زكاته هل يسمى كنزا أم لا فقال قوم : هو كنز ، وقال آخرون : ليس بكنز ، ومن القائلين بالأول أبو ذر وقيده بما فضل عن الحاجة ، وبالثاني عمر بن الخطاب وابن عمر وابن عباس وجابر وأبو هريرة وعمر بن عبد العزيز وغيرهم وهو الحق لما سيأتي من الأدلة المصرحة بأن ما أديت زكاته فليس بكنز .
أخرج أحمد في الزهد والبخاري وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال : إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة ، فلما نزلت الزكاة جعلها اللّه طهرة للأموال ثم قال : ما أبالي لو كان عندي مثل أحد ذهبا أعلم عدده وأزكيه وأعمل فيه بطاعة اللّه « 1 » ، وعن أم سلمة مرفوعا نحوه .
ولقد كان كثير من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وطلحة يقتنون الأموال ويتصرفون فيها وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية لأن الإعراض اختيار للأفضل ، والاقتناء مباح لا يذم صاحبه .
وعن ابن عباس : لما نزلت هذه الآية انطلق عمر واتبعه ثوبان ، فأتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال : يا نبي اللّه إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية فقال : « إن اللّه لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم ، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم » « 2 » ، الحديث مختصرا أخرجه أبو داود والحاكم وصححه والبيهقي وابن أبي شيبة وأبو يعلى وغيرهم .
وعن علي قال : أربعة آلاف وما دونها نفقة ، وما فوقها كنز ، وعن أبي أمامة قال :
حلية السيوف من الكنوز ما أحدثكم إلا ما سمعت ، وعن عراك بن مالك وعمر بن عبد العزيز قالا نسختها الآية الأخرى
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً
[ التوبة : 103 ] الآية .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الزكاة باب 4 ، وتفسير سورة 9 ، باب 7 .
( 2 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ، كتاب الزكاة 1 / 409 .