المقصود الأعظم من جمع المال الأكل ، فسمى الشيء باسم ما هو أعظم مقاصده ، والباطل كتب كتبوها لم ينزلها اللّه فأكلوا بها أموال الناس ، وذلك قوله تعالى :
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
[ البقرة : 79 ] .
وقيل المعنى إنهم يأخذونها بالوجوه الباطلة كالرشوة في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع ، وقيل إنهم كانوا يدعون عند العوام والحشرات إنه لا سبيل لأحد إلى الفوز بمرضاة اللّه تعالى إلا بخدمتهم وطاعتهم وبذل الأموال في طلب مرضاتهم ، والعوام كانوا يغترون بتلك الأكاذيب .
وقيل التوراة كانت مشتملة على آيات دالة على مبعث محمد صلى اللّه عليه وسلم فكانوا يذكرون في تأويلها وجوها فاسدة ويحملونها على محامل باطلة وكانوا يأخذون الرشوة ، وقيل كانوا يقررون عند عوامهم إن الدين الحق هو الذي هم عليه ، فإذا قرروا ذلك قالوا وتقوية الدين الحق واجبة ، ثم قالوا ولا طريق إلى تقويته إلا إذا كان أولئك الفقهاء أصحاب الأموال الكثيرة والجمع العظيم ، فبهذا الطريق يحملون العوام على أن يبذلوا في خدمتهم نفوسهم وأموالهم ، فهذا هو الباطل الذي كانوا به يأكلون أموال الناس .
قال الرازي : وهي بأسرها حاضرة في زماننا وهو الطريق لأكثر الجهال والمزورين إلى أخذ أموال العوام والحمقى من الخلق ، انتهى .
ولقد اقتدى بهؤلاء الأحبار والرهبان من علماء الإسلام ومشايخه من لا يأتي عليه الحصر في كل زمان ، قال الرازي : ولعمري من تأمل في أحوال أهل الناموس والتزوير في زماننا وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم ، وفي شرح أحوالهم ، فترى الواحد منهم يدعي إنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يتعلق خاطره بجميع المخلوقات ، وأنه في الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك عليه ويتحمل نهاية الذل والدناءة في تحصيله انتهى ، ولنعم ما قيل :
عجبت من شيخي ومن زهده * وذكره النار وأهوالها
يكره أن يشرب في فضة * ويسرق الفضة إن نالها
وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
أي عن الطريق إليه وهو دين الإسلام ، وعن الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وعما كان حقا في شريعتهم قبل نسخها بسبب أكلهم لأموال الناس بالباطل .
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ
قيل هم المتقدم ذكرهم من الأحبار والرهبان وأنهم كانوا يصنعون هذا الصنع ، قاله معاوية بن أبي سفيان ، وقيل هم من يفعل ذلك من المسلمين قاله ابن عباس ، وقال السدي : نزلت في مانعي الزكاة من المسلمين ، وقال أبو ذر : نزلت في أهل الكتاب وفي المسلمين جميعا .