تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
وقيل المراد به الدلائل الدالة على صحة نبوته صلى اللّه عليه وسلم وهي أمور : أحدها : المعجزات الباهرات الخارقة للعادات . وثانيها : القرآن العظيم وهو معجزة له باقية على الأبد . وثالثها : أن دينه الذي أمر به هو دين الإسلام ليس فيه شيء سوى تعظيم اللّه والثناء عليه والانقياد لأمره ونهيه والتبري من كل معبود سواه : فهذه أمور نيرة ودلائل واضحة في صحة نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم وعلى صدقه ، فمن أراد إبطال ذلك بكذب وتزوير فقد خاب سعيه وبطل عمله .
وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ
أي دينه القويم بإعلاء كلمته ، قال في الكشاف أن أبى قد أجري مجرى لم يرد أي ولا يريد إلا أن يتم نوره ، وقال علي بن سليمان : إنما جاز هذا في أبى لأنها منع أو امتناع فضارعت النفي . قال النحاس : وهذا أحسن وقال الزجاج : التقدير ويأبى اللّه كل شيء إلا أن يتم ، وقال الفراء : إنما دخلت ( إلا ) لأن في الكلام طرفا من الجحد ، وإنما صح الاستثناء المفرغ من الموجب لكونه بمعنى النفي ، وفيه من المبالغة والدلالة على الامتناع ما ليس في نفي الإرادة ، أي لا يريد شيئا من الأشياء إلا إتمام نوره ، فيندرج في المستثنى منه بقاؤه على ما كان عليه فضلا عن الأطفاء . قاله الكرخي .
وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
أي أبى اللّه إلا أن يتم نوره ويعلي دينه ويظهر كلمته ويتم الحق الذي بعث اللّه به رسوله ولو كره ذلك الكافرون ، وجواب لو محذوف لدلالة ما قبله عليه ، والتقدير ولو كره الكافرون تمام نوره لأتمه ولم يبال بكراهتهم وقيل لو لم يكرهوه أو كرهوه أي على كل حال مفروضة .

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 33 إلى 34 ]

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( 33 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 34 ) ثم أكد هذا بقوله :
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ
يعني محمدا
بِالْهُدى
أي بما يهدي به الناس من البراهين والمعجزات والأحكام التي شرعها اللّه لعباده والتوحيد والإسلام والقرآن
وَدِينِ الْحَقِّ
وهو دين الإسلام ، وفائدة ذكره مع دخوله في الهدى قبله بيان شرفه وتعظيمه كقوله
وَالصَّلاةِ الْوُسْطى
لِيُظْهِرَهُ
أي ليظهر رسوله أو دين الحق بما يشتمل عليه من الحجج والبراهين .
عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
أي على سائر الأديان ، وهو أن لا يعبد اللّه إلا به ، فلا دين
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 107 | صديق الحسيني القنوجي البخاري