وما أنا إلا من غزيّة أن غوت * غويت وإن ترشد غزية أرشد « 1 »
فدعوا أرشدكم اللّه وإياي كتبا كتبها لكم الأموات من أسلافكم واستبدلوا بها كتاب اللّه خالفهم وخالقكم ، ومتعبدهم ومتعبدكم ، ومعبودهم ومعبودكم ، واستبدلوا بأقوال من تدعونهم بأئمتكم وما جاؤوكم به من الرأي بأقوال إمامكم وإمامهم وقدوتهم وقدوتكم ، وهو الإمام الأول محمد بن عبد اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
دعوا كل قول عند قول محمد * فما آمن في دينه كمخاطر
اللهم هادي الضال مرشد التائه موضح السبيل ، اهدنا إلى الحق وأرشدنا إلى الصواب وأوضح لنا منهج الهداية .
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً
أي والحال أنهم ما أمروا في الكتب القديمة المنزلة عليهم على ألسنة أنبيائهم إلا بعبادة اللّه وحده ، أو ما أمر الذين اتخذوهم أربابا من الأحبار والرهبان إلا بذلك فكيف يصلحون لما أهلوهم له من اتخاذهم أربابا .
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
صفة ثانية لقوله إلها أو استئناف مقرر للتوحيد
سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
أي تنزيها له عن الإشراك في طاعته وعبادته .
وقد أخرج ابن سعد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عدي بن حاتم قال : أتيت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو يقرأ في سورة براءة
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
فقال : « أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه ، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه » « 2 » ، وأخرجه أيضا أحمد وابن جرير .
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ
هذا كلام يتضمن ذكر نوع آخر من أنواع ضلالهم وبعدهم عن الحق ، وهو ما راموه من إبطال الحق بأقاويلهم الباطلة التي هي مجرد كلمات ساذجة ومجادلات زائفة ، وهذا تمثيل لحالهم في محاولة إبطال دين الحق ونبوة نبي الصدق بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم قد أنارت به الدنيا وانقشعت به الظلمة ليطفئه ويذهب أضواءه ، قيل المراد بالنور شرائعه وبراهينه ، وسميت الدلائل نورا لأنه يهتدى بها إلى الصواب كما يهتدى بالنور إلى المحسوسات .
هامش
( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لدريد بن الصمة في ديوانه ص 47 ، والأصمعيات ص 107 ، والأغاني 10 / 9 ، وخزانة الأدب 11 / 278 ، 279 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 815 ، وشرح شواهد المغني 2 / 938 ، والشعر والشعراء 2 / 754 ، ولسان العرب ( غزا ) ، ( غوى ) ، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص 36 ، ومغني اللبيب 2 / 650 ، ويروى : « وهل أنا » بدل « وما أنا » .
( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 9 ، باب 10 .