بخلاف تلك الآيات فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها ، وبقوا ينظرون إلي كالمتعجب ، يعني كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات مع أن الرواية عن سلفنا وردت على خلافها .
ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء ساريا في عروق الأكثرين من أهل الدنيا .
والقول الثاني في تفسير هذه الربوبية أن الجهال والحشوية إذا بالغوا في تعظيم شيخهم وقدوتهم فقد يميل طبعهم إلى الحلول والاتحاد ، وذلك الشيخ إذا كان طالبا للدنيا بعيدا عن الدين كان يأمر أتباعه وأصحابه بأن يسجدوا له ، وكان يقول لهم أنتم عبيدي فكان يلقي إليهم من حديث الحلول والاتحاد أشياء ولو خلا ببعض الحمقاء من أتباعه فربما ادعى الإلهية ، فإذا كان ذلك مشاهدا في هذه الأمة فكيف يبعد ثبوته في الأمم السالفة .
وحاصل الكلام أن تلك الربوبية تحتمل أن يكون المراد منها إنهم أطاعوهم فيما كانوا مخالفين فيه لحكم اللّه ، وأن يكون المراد منها أنهم قبلوا أنواع الكفر فكفروا باللّه فصار ذلك جاريا مجرى إنهم اتخذوا أربابا من دون اللّه ، ويحتمل أنهم أثبتوا في حقهم الحلول والاتحاد ، وكل هذه الوجوه الأربعة مشاهد وواقع في هذه الأمة . انتهى .
وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ
أي اتخذه النصارى ربا معبودا ، وفيه إشارة إلى أن اليهود لم يتخذوا عزيرا ربا معبودا ، وانظر لم ثبتت الألف في ابن هنا مع أنه صفة بين علمين لأن المسيح لقب وهو من أقسام العلم .
وفي هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد عن التقليد في دين اللّه وتأثير ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة ، فإن طاعة المتذهب لمن يقتدي بقوله ويستن بسنته من علماء هذه الأمة مع مخالفته لما جاءت به النصوص وقامت به حجج اللّه وبراهينه ونطقت به كتبه وأنبياؤه . هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابا من دون اللّه ، للقطع بأنهم لم يعبدونهم بل أطاعوهم وحرموا ما حرموا وحللوا ما حللوا ، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة وهو أشبه به من شبه البيضة بالبيضة والتمرة بالتمرة والماء بالماء .
فيا عباد اللّه ويا أتباع محمد بن عبد اللّه ما بالكم تركتم الكتاب والسنة جانبا وعمدتم إلى رجال هم مثلكم في تعبد اللّه لهم بهما وطلبه للعمل منهم بما دلا عليه وأفاداه ، فعملتم بما جاؤوا به من الآراء التي لم تعمد بعماد الحق ولم تعضد بعضد الدين ، ونصوص الكتاب والسنة تنادي بأبلغ نداء وتصوّت بأعلى صوت بما يخالف ذلك ويباينه فأعرتموها آذانا صما وقلوبا غلفا ، وأفهاما مريضة وعقولا مهيضة وأذهانا كليلة وخواطر عليلة ، وأنشدتم بلسان الحال :