وصفه في الإنجيل تارة بابن اللّه وتارة بابن الإنسان كما رأينا ذلك في مواضع متعددة من الإنجيل ، ولم يفهموا إن ذلك لقصد التشريف والتكريم أو لم يظهر لهم إن ذلك من تحريف سلفهم لغرض من الأغراض الفاسدة .
قال الرازي : والأقرب عندي أن يقال لعله ذكر لفظ الابن في الإنجيل على سبيل التشريف كما ورد لفظ الخليل في حق إبراهيم على سبيل التشريف ، فبالغوا وفسروا لفظ الابن بالبنوة الحقيقية ، والجهال قبلوا ذلك منهم ، وفشا هذا المذهب الفاسد في أتباع عيسى عليه السلام .
ذلِكَ قَوْلُهُمْ
الإشارة إلى ما صدر عنهم من هذه المقالة الباطلة ، ووجه قوله
بِأَفْواهِهِمْ
مع العلم بأن القول لا يكون إلا بالفم ، بأن هذا القول لما كان ساذجا ليس فيه بيان ولا عضده برهان كان مجرد دعوى لا معنى تحتها فارغة صادرة عنهم صدور المهملات التي ليس فيها إلا كونها خارجة من الأفواه غير مفيدة لفائدة يعتد بها .
وقيل لأن إثبات الولد له مع أنه منزه عن الحاجة والشهوة والمضاجعة والمباضعة قول باطل ليس له تأثير في العقل ، وقيل إن ذكر الأفواه لقصد التأكيد كما في « كتبت بيدي » ومشيت برجلي ، ومنه قوله تعالى :
يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ
[ البقرة : 79 ] وقوله :
وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ
[ الأنعام : 38 ] .
وقال بعض أهل العلم : إن اللّه سبحانه لم يذكر قولا مقرونا بذكر الأفواه والألسن إلا وكان قولا زورا كقوله :
يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
[ آل عمران : 167 ] وقوله :
كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ
[ الكهف : 5 ] وقوله :
يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
[ الفتح : 11 ] .
يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ
المضاهاة المشابهة قيل ومنه قول العرب امرأة ضهيأ وهي التي لا تحيض لأنها شابهت الرجال ، قال أبو علي الفارسي : هذا خطأ لأن الهمزة في ضاهأ أصلية وفي ضهيأ زائدة كحمراء وأصله يضاهئون ، وقيل فيه لغتان ضاهأت وضاهيت ، والأولى لغة ثفيف ، قال الحسن : يوافقون ، وقال مجاهد : يواطئون .
ومعنى مضاهاتهم لقولهم فيه أقوال لأهل العلم .
الأول : إنهم شابهوا بهذه المقالة عبدة الأوثان في قولهم اللات والعزى ومناة بنات اللّه .
الثاني : شابهوا قول من يقول من الكافرين أن الملائكة بنات اللّه .
الثالث : إنهم شابهوا أسلافهم القائلين بأن عزيزا ابن اللّه والمسيح ابن اللّه .
قاتَلَهُمُ اللَّهُ
دعاء عليهم بالهلاك لأن من قاتله اللّه هلك ، وقيل هو تعجب من شناعة قولهم وقيل معناه لعنهم اللّه ، وحكى النقاش أن أصل قاتل اللّه الدعاء ثم كثر في