تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 570

مساهمون:

ص٥٧٠
وهذا يقتضي أن المراد بالنفس هنا الروح ، والحامل له على تفسيرها بذلك التأنيث في قوله ذائقة لأنها بمعنى الروح مؤنثة وتطلق أيضا على مجموع الجسد والروح الذي هو الحيوان ، وهي بهذا المعنى مذكر ، وهذا المعنى الثاني تصح إرادته هنا أيضا بل هو الأقرب المتبادر إلى الفهم .
وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
أجر المؤمن الثواب وأجر الكافر العقاب أي أن توفية الأجود وتكميلها على التمام إنما يكون في ذلك اليوم ، وما يقع من الأجور في الدنيا أو في البرزخ فإنما هو بعض الأجور كما ينبئ عنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران » « 1 » .
فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ
الزحزحة التنحية الإبعاد تكرير الزحّ وهو الجذب بعجلة ، قاله في الكشاف ، وقد سبق الكلام عليه أي فمن بعد عن النار يومئذ ونحّى فقد ظفر بما يريد ونجا مما يخاف ، ونال غاية مطلوبه . وهذا هو الفوز الحقيقي الذي لا فوز يقاربه . فإن كل فوز وإن كان بجميع المطالب دون الجنة ليس بشيء بالنسبة إليها إلا رؤية اللّه سبحانه وتعالى فهو أفضل نعيم الآخرة في الجنة ، اللهم لا فوز إلا فوز الآخرة ولا عيش إلا عيشها ولا نعيم إلا نعيمها فاغفر ذنوبنا واستر عيوبنا وارض عنا رضا لا سخط بعده ، واجمع لنا بين الرضا منك علينا والجنة . عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ، اقرؤوا إن شئتم
فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ
إلى قوله :
الْغُرُورِ »
« 2 » أخرجه الترمذي والحاكم وصححاه وغيرهما .
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ
المتاع كل ما يتمتع به الإنسان وينتفع به ثم يزول ولا يبقى كذا قال أكثر المفسرين ، وقيل المتاع كالفاس والقدر والقصعة ونحوها ، والأول أولى ، والغرور إما مصدر أو جمع غار ، وقيل ما يغر الإنسان مما لا يدوم وقيل الباطل ، والغرور الشيطان يغر الناس بالأماني الباطلة والمواعيد الكاذبة . شبّه سبحانه الدنيا بالمتاع الذي يدلّس به على من يريده وله ظاهر محبوب ، وباطن مكروه ، قيل متاع متروك يوشك أن يضمحل ويزول فخذوا من هذا المتاع
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في القيامة باب 26 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الجهاد باب 73 ، وبدء الخلق باب 8 ، والرقاق باب 2 ، والترمذي في فضائل الجهاد باب 17 ، 25 ، وتفسير سورة 3 ، باب 22 ، وسورة 56 ، باب 1 ، وابن ماجة في الزهد باب 39 ، والدارمي في الرقاق باب 99 ، في الترجمة ، وأحمد في المسند 2 / 315 ، 438 ، 482 ، 483 ، 3 / 141 ، 433 ، 434 .